” ريف رس” 10 أكتوبر 2026
أصبح من المشاهد المتكررة في المغرب خروج بعض النشطاء إلى الشارع للاحتجاج ضد التطبيع مع إسرائيل، مرددين شعارات من قبيل «الشعب ضد التطبيع»، ومقدمين على حرق العلم الإسرائيلي في مشاهد تحظى بتغطية عبر وسائل التواصل الاجتماعي..
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو، من منح هؤلاء حق الحديث باسم الشعب؟
الاحتجاج حق مشروع، والتعبير عن المواقف السياسية حق مكفول، لكن لا يمكن لأي جماعة، مهما كان عدد أفرادها أو طبيعة شعاراتها، أن تقدم نفسها باعتبارها الناطق الرسمي باسم ملايين المغاربة. فالشعب المغربي متنوع في مواقفه وتصوراته، ولا يمكن اختزاله في مظاهرة أو شعار أو تجمع في الشارع.
كما أن رفع الشعارات وحرق الأعلام لا يعني بالضرورة تحقيق أي تغيير على أرض الواقع. فالقضايا الكبرى تحتاج إلى مواقف سياسية واضحة، ونقاش عمومي مسؤول، وأشكال ضغط سلمية ومؤسساتية قادرة على إنتاج نتائج ملموسة، وليس فقط إلى الهتافات والأغاني والمشاهد الاحتجاجية.
وإذا كان البعض يعتقد أن مواجهة إسرائيل لا تكون إلا بالمواجهة العسكرية، فهذه مسألة أخرى لا ينبغي تحويلها إلى دعوة للأفراد لحمل السلاح أو الانخراط في أعمال عنف. المغرب دولة، وله مؤسسات وقرارات دبلوماسية وسيادية، والمواطنون لهم حق الاحتجاج والتعبير بالوسائل السلمية والقانونية.
المشكلة ليست في أن يرفع مواطنون أصواتهم ضد التطبيع، فهذا موقف سياسي يمكن مناقشته واحترامه، وإنما في ادعاء تمثيل «الشعب» بأكمله. فالشعب أكبر من أي تنظيم، وأوسع من أي تيار، ولا يتحدث باسمه إلا عبر المؤسسات والآليات الديمقراطية التي تمنح الشرعية التمثيلية.
وفي النهاية، تبقى قيمة أي احتجاج في قدرته على إقناع المجتمع والتأثير في السياسات، لا في ارتفاع الصوت أو حرق الأعلام. فالقضايا الوطنية والقومية لا تحتاج إلى المزايدات بقدر ما تحتاج إلى مواقف مسؤولة، وبرامج واضحة، وأفعال سلمية تتجاوز حدود الشعارات.
فمن السهل أن تقف في شارع، ترفع لافتة وتهتف باسم الملايين؛ لكن الأصعب أن تقنع الملايين بأنك تمثلهم. ومن السهل أن تحرق علماً أمام الكاميرات، لكن الأصعب أن تقدم موقفاً سياسياً يصمد أمام النقاش والحجة والاختلاف. الشعب ليس جمهوراً في مظاهرة، وليس ملكاً لتنظيم أو تيار؛ الشعب أوسع من الجميع، وصوته لا يُختزل في حناجر من يرفعون شعاراته، بل يُحترم حين يُترك له حق الاختلاف والاختيار.







