” ريف رس ” 9 أكتوبر 2026
يطرح الشارع المغربي اليوم سؤالاً يتجاوز حدود البرامج الانتخابية والخطابات السياسية، هل توجد فعلاً إرادة حقيقية للتغيير والإصلاح، أم أن جزءاً من القرارات ما زال يتأثر بمنطق المصالح والنفوذ؟.
السؤال مشروع، خصوصاً في ظل استمرار عدد من الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية التي تتطلب حلولاً عميقة، لا مجرد إجراءات ظرفية أو وعود تتكرر مع كل محطة سياسية.
فالإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يبدأ من الانتخابات فقط، ولا من تغيير الوجوه داخل المؤسسات، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير، من المدرسة. فالتعليم ليس مجرد وسيلة للحصول على شهادة أو وظيفة، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه شخصية المواطن وقدرته على التفكير والنقاش واتخاذ القرار والمشاركة في الشأن العام.
إذا كانت الدولة تريد مواطناً واعياً بحقوقه وواجباته، وقادراً على محاسبة المسؤولين والمشاركة في الحياة السياسية، فإن عليها أن تستثمر أولاً في تعليم جيد، يعلّم التلميذ التفكير النقدي، واحترام القانون، وفهم المؤسسات، وقيمة المشاركة والمسؤولية.
وهنا تبرز مسؤولية الحكومة المرتقبة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، إذا ما أُسندت إليها فعلاً قيادة الحكومة، في تحويل إصلاح التعليم من شعار سياسي إلى ورش وطني حقيقي، لا يرتبط فقط ببناء المؤسسات أو مراجعة المناهج، بل يمتد إلى تكوين مواطن قادر على فهم السياسة بدل الاكتفاء بالتأثر بالشعارات الانتخابية.
فالمشاركة السياسية لا تُبنى عشية الانتخابات، وإنما تُزرع منذ الطفولة. والمواطن الذي لا يحصل على تعليم جيد ولا يجد فضاءات للنقاش والتعبير والمشاركة، سيكون أكثر عرضة للعزوف السياسي أو الارتهان للخطاب الشعبوي والمصالح الضيقة.
كما أن إصلاح التعليم يحتاج إلى إرادة تتجاوز الحسابات الانتخابية، لأن نتائجه لا تظهر بالضرورة خلال ولاية حكومية واحدة. وهذا تحديداً ما يجعل الاختبار الحقيقي لأي حكومة هو قدرتها على اتخاذ قرارات إصلاحية طويلة المدى، حتى عندما لا تحقق لها مكاسب سياسية سريعة.
المغرب لا يحتاج فقط إلى أحزاب تتنافس على المقاعد، بل إلى حياة سياسية أكثر نضجاً، ومواطن أكثر وعياً، ومؤسسات أكثر مسؤولية. وهذا لن يتحقق إلا عندما يصبح التعليم مدخلاً أساسياً للإصلاح السياسي والاجتماعي.
في النهاية، يبقى السؤال مطروحاً: هل ستكون الحكومة المقبلة مستعدة لفتح ورش إصلاح حقيقي يبدأ من المدرسة وينتهي بمواطن واعٍ يشارك في صناعة القرار، أم ستستمر السياسة في الدوران داخل الحلقة نفسها: وعود، شعارات، انتخابات، ثم انتظار الاستحقاق المقبل؟
الإصلاح الحقيقي يبدأ من التعليم… ومن بناء مواطن لا يكتفي بالتصويت، بل يعرف لماذا يصوّت ولمن، وكيف يحاسب من اختاره.







