” ريف رس” 7 شتنبر 2026
لطالما ارتبطت إسبانيا اليوم بصورة البلد الذي يستقبل المهاجرين، خصوصاً من شمال إفريقيا، لكن التاريخ يحمل مفارقة تستحق التوقف عندها ، الإسبان أنفسهم كانوا، في مراحل مختلفة، مهاجرين يبحثون عن العمل والأمان ومستقبل أفضل خارج بلادهم.
في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، غادر آلاف الإسبان نحو أمريكا اللاتينية هرباً من الفقر والبطالة والظروف الاجتماعية الصعبة. ثم جاءت الحرب الأهلية الإسبانية لتدفع أعداداً كبيرة إلى المنفى، قبل أن تتجدد الهجرة الاقتصادية خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي نحو فرنسا وألمانيا وسويسرا ودول أوروبية أخرى.
كان الإسباني آنذاك يعبر الحدود بحثاً عن فرصة، وقد يجد نفسه عاملاً أجنبياً في بلد آخر، بعيداً عن أسرته ووطنه. لم يكن يحمل بالضرورة صورة المهاجر التي تُرسم اليوم في بعض الخطابات السياسية، بل كان إنساناً يحاول تحسين ظروف حياته.
أما اليوم، فقد تغير اتجاه الرياح. أصبحت إسبانيا وجهة لملايين الأشخاص القادمين من دول مختلفة، ومن بينها المغرب. وتحول البحر الذي كان يفصل الإسباني الباحث عن العمل عن أوروبا إلى طريق يخوضه مهاجرون من الضفة الجنوبية أملاً في الوصول إلى الضفة الشمالية.
وهنا تبرز مفارقة تاريخية قوية: المهاجر الذي كان إسبانياً بالأمس أصبح في نظر البعض اليوم أجنبياً يحتاج إلى تأشيرة وإقامة وشروط قانونية معقدة، بينما أصبح القادم من الجنوب هو الذي يعيش تجربة البحث عن فرصة داخل إسبانيا.
ولا يعني استحضار تاريخ الهجرة الإسبانية تبرير الهجرة غير النظامية أو تجاهل قوانين الدول، وإنما يذكرنا بأن الهجرة ظاهرة إنسانية تتغير أسبابها واتجاهاتها مع الزمن.
فالدول لا تبقى دائماً في موقع واحد؛ دولة كانت تصدر المهاجرين قد تتحول إلى دولة تستقبلهم، وشعب كان يبحث عن العمل في الخارج قد يصبح لاحقاً جزءاً من مجتمع يستقبل العمال الأجانب.
وربما يكون الدرس الأهم من التاريخ هو أن الهجرة ليست عيباً مرتبطاً بجنسية معينة، وإنما نتيجة لظروف اقتصادية وسياسية واجتماعية تدفع الإنسان إلى البحث عن حياة أفضل.
لقد هاجر الإسباني عندما كانت إسبانيا بحاجة إلى فرص أكثر، ويهاجر المغربي اليوم عندما يرى في الضفة الأخرى فرصاً لا يجدها بالقدر نفسه في بلده. وبين الأمس واليوم، تتغير الأسماء والطرق والحدود، لكن يبقى الدافع الإنساني واحداً: البحث عن مستقبل.






