” ريف رس” 29 غشت 2026
كلما طُرح النقاش حول وضعية البرلمانيين وامتيازاتهم، يعود سؤال قديم إلى الواجهة، من يضع القواعد التي تحكم هذه الامتيازات، ومن يتحمل كلفتها في النهاية؟
البرلمان مؤسسة يفترض أن تكون صوت المواطن والمدافع عن مصالحه، لكن الجدل حول التعويضات والمعاشات والامتيازات يجعل كثيراً من المغاربة يتساءلون عما إذا كانت الأولوية تُمنح أحياناً لمصالح المؤسسة وأعضائها قبل هموم المواطن الذي انتخبهم.
والحديث عن معاشات البرلمانيين ليس مجرد إشاعة أو قضية مستحدثة؛ فقد أُحدث منذ سنة 1993 نظام للمعاشات لفائدة أعضاء مجلس النواب، ونص القانون حينها على مساهمات للنواب ومساهمات مماثلة من المجلس.
كما طُرحت لاحقاً إصلاحات لهذا النظام، من بينها ربط الاستفادة بسن 65 سنة وخفض قيمة المعاش عن كل سنة تشريعية، وهو ما يكشف أن الملف ظل محل نقاش سياسي ومجتمعي متواصل.
المشكلة، في نظر المنتقدين، ليست فقط في قيمة التعويض أو المعاش، وإنما في الإحساس بعدم المساواة. فالمواطن العادي يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة الوصول إلى خدمات جيدة، وقلقاً بشأن مستقبله التقاعدي، بينما تبدو امتيازات المسؤولين أكثر إثارة للجدل عندما يتعلق الأمر بالتعويضات والتقاعد.
وهنا تظهر مفارقة مؤلمة، المواطن ينتظر من ممثليه أن يدافعوا عن العدالة الاجتماعية، وأن يجعلوا التشريع في خدمة المجتمع، لا أن يتحول النقاش حول التشريع نفسه إلى مصدر شك لدى المواطنين في أن المؤسسة قد تكون أكثر حرصاً على مصالح أعضائها.
المطلوب ليس مهاجمة البرلمان كمؤسسة، بل تعزيز الشفافية والمساواة وربط الامتيازات بالاستحقاق والقدرة المالية الحقيقية. فكلما كانت القواعد واضحة، والمصاريف معلنة، والمحاسبة متاحة للرأي العام، تراجع الإحساس بأن هناك قوانين تُصنع بمنطق “منكم وإليكم”.
الشعب لا يريد برلماناً يعيش منفصلاً عن واقعه، بل يريد مؤسسة تشريعية تشعر بما يشعر به المواطن، وتدافع عن حقوقه قبل أن تفكر في امتيازاتها.
وفي النهاية، تبقى القاعدة البسيطة: البرلمان للشعب، والقوانين يجب أن تكون لخدمة الشعب، والامتيازات لا ينبغي أن تتحول إلى امتيازات على حسابه.





