” ريف رس” 1 غشت 2026
لم يعد المواطن المغربي بحاجة إلى كثير من الوقت حتى يكتشف أن جزءًا من الخطاب السياسي ليس سوى موسم جديد من الوعود، يُفتح مع اقتراب الانتخابات ويُغلق مباشرة بعد إعلان النتائج. وعود تتكرر، وشعارات تُعاد، ووجوه سياسية تتغير أحيانًا، بينما يبقى الواقع نفسه: مشاكل اجتماعية واقتصادية متراكمة، وقدرة شرائية تتراجع، وشباب يبحث عن فرص حقيقية، ومواطن ينتظر خدمات عمومية تليق بكرامته.
المثير للاستغراب أن بعض السياسيين لا يشعرون بأي حرج وهم يعيدون تقديم الوعود نفسها التي سمعها المغاربة في مناسبات سابقة، وكأن ذاكرة الشعب قصيرة، وكأن المواطن لا يتذكر ما قيل له بالأمس وما لم يتحقق اليوم.
في كل محطة انتخابية، تبدأ حفلة الخطابات الرنانة. الجميع يتحدث عن محاربة الفساد، وتحقيق التنمية، وتوفير فرص الشغل، وتحسين التعليم والصحة، بينما يبقى السؤال الحقيقي معلقًا: ماذا تحقق من كل هذه الوعود؟
المشكلة أن السياسة عند البعض تحولت من خدمة المواطن إلى وسيلة للوصول إلى المناصب والامتيازات. فبمجرد الوصول إلى الكرسي، تتغير الأولويات، ويختفي الخطاب الانتخابي، ويصبح المواطن مجرد رقم يُستدعى عند الحاجة إلى الأصوات.
والأكثر استفزازًا أن بعض المسؤولين والسياسيين يتعاملون مع انتقادات المواطنين وكأنها مجرد ضجيج عابر، بدل الإنصات إليها باعتبارها حقًا مشروعًا في مجتمع يفترض أن تكون فيه السلطة خادمة للمواطن، لا متعالية عليه.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يفقد المواطن ثقته في السياسة وفي المؤسسات المنتخبة. وعندما يشعر الناس بأن الانتخابات لا تغير شيئًا في حياتهم، وأن الوعود لا تتجاوز حدود الحملات الانتخابية، فإن العزوف وفقدان الثقة يصبحان نتيجة طبيعية.
السياسي الحقيقي لا يحتاج إلى الكذب على الناس، ولا إلى بيع الأحلام، ولا إلى إطلاق الوعود المستحيلة. السياسي الحقيقي هو من يملك الشجاعة ليقول الحقيقة، حتى عندما تكون صعبة، ويقدم حسابًا واضحًا عن فترة تحمله للمسؤولية.
أما أن يستمر البعض في مخاطبة الشعب بالخطابات نفسها، والوعود نفسها، والأسطوانة نفسها، دون نتائج ملموسة، فذلك لم يعد يقنع أحدًا.
الشعب المغربي يستحق سياسة أكثر صدقًا، وأحزابًا أكثر مسؤولية، ومسؤولين يعرفون أن المنصب تكليف وليس تشريفًا، وأن أصوات المواطنين ليست شيكًا على بياض.
لقد انتهى زمن تصديق كل شيء يُقال فوق المنصات. اليوم، المواطن يريد أن يرى ما تحقق على أرض الواقع، لا أن يسمع ما سيحدث في المستقبل.
فكفى من الوعود التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ، وكفى من الشعارات التي تُرفع أمام الشعب ثم تُنسى بعد الوصول إلى الكراسي. فالسياسة أخلاق ومسؤولية، ومن لا يستطيع الوفاء بوعوده، عليه على الأقل أن يمتلك شجاعة الاعتراف بالفشل.







