الرئيسية / الناظور / الناظور.. ثروة جغرافية وبشرية في انتظار تنمية تليق بها
الناظور

الناظور.. ثروة جغرافية وبشرية في انتظار تنمية تليق بها

2026-06-02 13:26 4 دقائق قراءة 0 تعليقات



 ” ريف رس” 2 يونيو 2026


عبد الحميد الشهبوني :رئيس فرع جمعية أبناء الناظور في أوروبا

تُعد مدينة الناظور واحدة من أكثر المدن المغربية امتلاكًا لعوامل القوة الطبيعية والجغرافية والبشرية. فهي بوابة متوسطية مهمة، وقريبة من أوروبا، وتتوفر على جالية قوية بالخارج، كما تزخر بمؤهلات بحرية وتجارية وسياحية كبيرة. ومع ذلك، لا يزال كثير من سكان المدينة يشعرون بأن الناظور لم تبلغ بعد المكانة التي تستحقها ضمن المدن المغربية الكبرى، سواء من حيث التنمية الاقتصادية أو جودة العيش أو التأثير على المستوى الوطني.

هذا الشعور لا يعكس التشاؤم بقدر ما يعبر عن فجوة واضحة بين الإمكانات المتاحة والواقع المعيشي اليومي. فكيف يمكن تفسير هذا التعثر؟ وما هي الحلول العملية الكفيلة بتجاوزه؟

يُعتبر غياب رؤية تنموية موحدة من أبرز التحديات التي واجهت المدينة خلال العقود الماضية. فقد ظلت الناظور تتحرك دون مشروع حضري وتنموي واضح وطويل المدى، يربط بين الاقتصاد والتعليم والبنية التحتية والسياحة والاستثمار. وعلى عكس مدن مغربية صاعدة مثل طنجة، التي استفادت من رؤية استراتيجية واضحة جعلت مختلف المؤسسات تعمل في الاتجاه نفسه، تبدو المشاريع في الناظور في كثير من الأحيان متفرقة وغير مترابطة، مما يقلل من تأثيرها على حياة المواطنين. لذلك تبدو الحاجة ملحة إلى إعداد ميثاق تنموي محلي يمتد لعقود، يشارك في صياغته الخبراء والجامعيون وأبناء الجالية، مع ربط كل مشروع جديد بأهداف اقتصادية واجتماعية محددة.

كما تعاني المدينة من ضعف نسبي في الترافع السياسي والمؤسساتي على المستويين الجهوي والوطني. فبعض الفاعلين المنتخبين لا يملكون القدرة الكافية على تحويل ملفات الناظور إلى أولويات وطنية، بينما تطغى أحيانًا الحسابات الضيقة والصراعات المحلية على منطق العمل التنموي المشترك. ومن هنا تبرز أهمية ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتشجيع الكفاءات الشابة على الانخراط في العمل السياسي، إلى جانب إنشاء آليات مدنية مستقلة لتتبع المشاريع الكبرى وتقييم أداء المسؤولين بناءً على النتائج والمؤشرات الملموسة.

ومن بين الإشكالات الأساسية أيضًا، اعتماد الاقتصاد المحلي بشكل كبير على الاستهلاك والتحويلات المالية للجالية المقيمة بالخارج، مقابل محدودية الاستثمار المنتج. فالمدينة في حاجة إلى قاعدة اقتصادية أكثر تنوعًا، ترتكز على الصناعة والخدمات الحديثة والمقاولات الناشئة القادرة على خلق فرص شغل مستقرة. كما أن استثمار المؤهلات التي يوفرها مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط يمكن أن يشكل رافعة حقيقية لجذب الاستثمارات الوطنية والدولية.

في المقابل، تواجه الناظور نزيفًا مستمرًا للكفاءات، حيث يضطر عدد كبير من المتفوقين وأصحاب الخبرات إلى الهجرة نحو الرباط أو الدار البيضاء أو إلى الخارج بحثًا عن فرص أفضل. ويؤدي هذا الواقع إلى حرمان المدينة من طاقات بشرية مؤهلة كان بإمكانها الإسهام في تنميتها. لذلك فإن توفير بيئة استثمارية جاذبة، وتشجيع ريادة الأعمال، وبناء شراكات بين الجامعة والقطاع الخاص، كلها خطوات ضرورية لاستعادة هذه الكفاءات أو على الأقل الاستفادة من خبراتها.

وعلى المستوى الحضري، ورغم التوسع العمراني الذي شهدته المدينة خلال السنوات الأخيرة، فإن العديد من الإكراهات ما زالت قائمة، سواء تعلق الأمر بالمساحات الخضراء أو النقل الحضري أو مواقف السيارات أو الفوضى العمرانية أو ضعف البنيات الثقافية والترفيهية. فالمدن الحديثة لا تُقاس فقط بحجم المباني والمنشآت، بل بقدرتها على توفير جودة حياة جيدة لسكانها. ومن ثم فإن احترام التصاميم العمرانية، وتطوير الفضاءات العمومية، والاستثمار في الثقافة والرياضة والشباب، يظل جزءًا أساسيًا من أي مشروع تنموي ناجح.

ولا يمكن تحميل الدولة أو المنتخبين وحدهم مسؤولية هذا الوضع، إذ إن المجتمع نفسه مطالب بتعزيز ثقافة المشاركة والمحاسبة والعمل الجماعي. فالتنمية الحقيقية تحتاج إلى مواطن فاعل يراقب ويقترح ويشارك، وإلى إعلام محلي جاد يسلط الضوء على الاختلالات والنجاحات على حد سواء، إضافة إلى دعم المبادرات الشبابية والجمعوية وفتح قنوات حوار دائمة بين المواطنين والمؤسسات.

ورغم كل هذه التحديات، فإن الناظور تقف اليوم أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر، خاصة في ظل المشاريع الكبرى التي تشهدها المنطقة، وعلى رأسها ميناء الناظور غرب المتوسط، والتحولات الاقتصادية التي يعرفها شرق المغرب. غير أن نجاح هذه المشاريع لن يتحقق تلقائيًا، بل يتطلب نخبًا كفؤة، وإدارة فعالة، ومجتمعًا واعيًا، ورؤية تنموية طويلة المدى.

إن الناظور لا ينقصها الموقع الاستراتيجي ولا الموارد الطبيعية ولا الطاقات البشرية، بل تحتاج قبل كل شيء إلى إرادة جماعية قادرة على تحويل هذه الإمكانات إلى مشاريع منتجة ومؤسسات قوية وفرص حقيقية يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية. فنهضة المدن لا تُبنى بالش عارات، وإنما بالعمل المتواصل والتخطيط السليم والإيمان بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *