” ريف رس ” 13 ماي 2026
في كل صيف، تتحول مدن مغربية عديدة إلى منصات كبرى للاحتفالات الفنية والمهرجانات، حيث تُنفق ميزانيات ضخمة على تنظيم سهرات واستقدام فنانين من داخل وخارج الوطن، في مشهد يبدو للوهلة الأولى دليلاً على دينامية ثقافية وحيوية فنية. غير أن هذا البريق يخفي وراءه جدلاً متزايداً حول أولويات صرف المال العام، خاصة في ظل تفاقم الأوضاع الاجتماعية لفئات واسعة من المغاربة.
ففي الوقت الذي تعاني فيه العديد من الأسر من ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، واستمرار مظاهر الهشاشة في مجالات كالتعليم والصحة والتشغيل، يطرح سؤال ملحّ: هل من المنطقي تخصيص ملايين الدراهم لمهرجانات فنية، بينما تعاني مناطق عديدة من نقص في البنيات التحتية والخدمات الأساسية؟
يرى منتقدو هذه السياسة أن ما يُصرف على بعض المهرجانات لا ينعكس بشكل مباشر على تحسين ظروف عيش المواطنين، بل يُكرّس نوعاً من “الترف المؤسساتي” المنفصل عن الواقع الاجتماعي. ويعتبرون أن هذه الأموال كان من الممكن أن تُوجَّه لدعم القطاعات الحيوية، أو لإطلاق مشاريع تنموية تخلق فرص الشغل وتخفف من وطأة الفقر.
في المقابل، يدافع مؤيدو هذه التظاهرات عن دورها في تنشيط السياحة، وجلب الاستثمارات، وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي، إلى جانب مساهمتها في إشعاع الثقافة المغربية دولياً. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يقنع شريحة من الرأي العام التي تطالب بمزيد من الشفافية في تدبير الميزانيات، وربط الإنفاق العمومي بحاجيات المواطن الأساسية.
إن الإشكال لا يكمن فقط في تنظيم المهرجانات في حد ذاته، بل في غياب توازن واضح بين متطلبات التنمية الاجتماعية والإنفاق على الأنشطة الترفيهية. فالمغرب، كغيره من الدول النامية، يواجه تحديات حقيقية تتطلب توجيهاً رشيداً للموارد، يضع المواطن في صلب الأولويات.
وفي ظل هذا الجدل، يبقى الرهان الحقيقي هو تحقيق معادلة صعبة: دعم الثقافة والفن من جهة، وضمان العدالة الاجتماعية وتحسين مستوى عيش المواطنين من جهة أخرى. فبدون هذه الموازنة، سيظل الحديث عن “التنمية” ناقصاً، مهما تعددت المنصات وارتفعت أصوات الموسيقى.







