الرئيسية / مساحة حرة / الساعة في الناظور تشير إلى زمن رمادي! فعاليات في غياب ..الجمهور.. 
مساحة حرة

الساعة في الناظور تشير إلى زمن رمادي! فعاليات في غياب ..الجمهور.. 

2025-05-24 19:18 7 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس” 24 ماي 2025

بقلم: محمد بوتخريط./ هولندا
بينما كنت أبحث عن صور لموضوع انا بصدد كتابته، استوقفتني صورة لا ترتبط بالموضوع بشكل مباشر، لكن شدتني من بين عشرات الصور في ارشيفي. يظهر في هذه الصورة دار الشباب بالناظور.

لا أدري لماذا استوقفتني هذه الصورة بالذات..ظللت أتأملها للحظات…صمت رهيب يخيم على المكان..و الاسم الجديد المرسوم على البناية زاد الصورة رهبة..وعلى واجهتها الشاحبة المرسومة بتجاعيد نحتتها أصابع الغدر،..نقرأ مدى معاناة هذا المبنى الذي يبدو أنه يخبأ بين جدرانه سر المعاناة والتهميش…

و فراغ يبدو كأنه جزء من فراغ اكبر تعيشه المدينة .

بدأت أسمع أصواتا..ألمح شبابا جالسين على الأدراج. وآخرون يعبرون إلى الطابق الاول من البناية حيث قاعة للعروض…حركة كثيفة..أصوات متداخلة، غناء، عروض مسرحية، تظاهرات شعرية، حفلات تكريم. 

هكذا أتذكر  دار الشباب بالمدينة ..قاعة في الداخل تعرض الفنون والمسرحيات والحفلات، ومسرح في الخارج يعرض حكايا اهالي لعري ن الشيخ  وأهالي المدينة ويعكس واقعهم.

بدا لي المكان بكل تفاصيله، وكأني أراه لأول مرة. 

ربما هو حنين الى ماض جميل، الى مكان اعدموه بلا رحمة ولا شفقة ، ناسين او متناسين ان لهذا المبنى تاريخا راسخا وحكايات حقيقية عن قصة واحد من أشهر معالم الناظور …

وانا اتأمل الصورة والحركة الثقافية التي كان يعرفها المكان ، وأتذكر كيف أن قاعات دار الشباب كانت في ظروف أصعب مما يتخيل أي أحد لكنها كانت تمتلئ على آخرها بالجمهور ، سرعان ما كان يمر شريط واقع اليوم أمامي، وما نعيشه اليوم مع الفعاليات التي تعرفها المدينة،داخل ما يسمونه ظلما وعدوانا بالمركب الثقافي ، انشطة -وعلى قلتها- امام كراسي فارغة ، وفعاليات في غياب الجمهور.. 

كل القاعات لم تكن تسعنا ، واليوم وكأن كل القاعات تلفظنا خارجها، فمن يشارك ومن يتغيب عن مهرجانات ومعارض المدينة!!

هذا مهرجان سينما،وذاك مهرجان مسرح او معرض لوحات…وتلك ندوات ..إعلانات مميزة..عبارات تسويقية،دعوات إلكترونية متنوعة وجذابة..

لكن السؤال الأكثر أهمية هو ؛أين الجمهور؟ إنه الغائب الأكبر..!!  

– واقع الحال.

تعانى جميع الفعاليات فى الناظور من ضعف شديد فى الإقبال الجماهيرى، ووصل الأمر فى أحيان كثيرة أن تخلوا قاعة العرض من المشاهدين، أو يقتصر الحضور على خمسة أو ستة او حتى عشرة متفرجين على أقصى تقدير..آخرها كان مهرجان المسرح ،وكأن المسرح هو الاخر وبكل جمالياته لم يعد فناً جاذباً للجمهور..!

وما يستفزني اكثر هو انه كثيرا ما نعبر ومعنا بعض الغيورين على الشأن الثقافي بالمدينة عن تذمرنا من غياب فعاليات و فضاءات للتنشيط الثقافي في مدينتنا، فتجدنا لا نترك مناسبة إلا ورفعنا فيها شعار العدالة الثقافية، وتحدثنا بغصة وقهر عما تعانيه مدينتنا من تهميش وإقصاء، وما تعانيه مدينة وجدة على سبيل المثال من إنصاف ونطالب بإلحاح بخلق مهرجانات وفعاليات و بتشييد بنايات تحتضن مختلف الأنشطة الثقافية على غرار المدن الاخرى.. بينما في الواقع لا نبرهن على ما يؤكد هذه الغيرة وهذا التعطش .. 

و المركب الثقافي في المدينة شاهد علينا، فرغم ان حتى قاعة العرض فيه ، لا تتوفر فيها أدنى الشروط الضرورية، و تمر شهور دون أن ينظم نشاط واحد وازن يملأ الفضاء بنبض الحياة الثقافية…لكن حين يشمر ابناء المدينة على اكتافهم وينظمون نشاطا ما وكيفما كان نوعه ، معرضا ، او مهرجان مسرح او شعر او سينما او حتى ندوة يلقى نفس المصير ، حضور ضعيف و ضعيف جدا يكاد يكون منعدم، مع حضور منعدم للنخب المثقفة… 

“تنطلق الفعالية وينطلق معها انتظار الجمهور الذي سيأتي ليملأ الكراسي المتراصة الفارغة، ويطول الانتظار، ولا يأتي أحد .. وقد يطل بعضهم على القاعة ويعود أدراجه حين يجدها فارغة، تتسرب الحيرة إلى ملامح المنظمين ، يحاولون إخفاء تحرجهم متعللين بالذرائع والمبررات اياها ،”العبرة بالكيف و ليست بالكم” ، وفي الأخير ينطلق النشاط في حضرة قلة قليلة ، وفي كثير من المناسبات يدفع بها لتملأ بعض كراسي الصف الأول على مضض، تلتقط لها صور توهم بامتلاء القاعة، بينما القاعة يصفر فيها الهواء و تتراقص في نواحيها الأشباح. *”

من المؤسف جدا أن تعاني هذه الفعاليات هذا المصير… فمن سلبيات هذه المعارض والمهرجانات في المدينة عدم مشاركة جميع الناظوريين فيها… غياب مجموعة، أو مجموعات او عدد منها صار أمرا دائما..رغم أنهم المستهدفين الحقيقيين من وراء هذا الحدث الفنى او ذاك ، ليبقى السؤال قائمًا: إلى متى تستمر هذه الأزمة؟ وهل أصبحنا أمام واقع محتم أنه لدينا انشطة بلا جمهور؟ ولماذا تنجح مهرجانات الرقص والغناء مثلا فى جذب الجمهور الذى يملأ القاعات والساحات ؟

صحيح ان من حقهم ان يتساءلوا عن ماذا تكلف هذه النشاطات والمهرجانات؟ ما هي مداخيلها؟ ما تأثيرها في حاضر المدينة ومستقبلها؟ وما هي انعكاساتها على الحياة الاجتماعية، ومن ثم على المشكلات الاجتماعية أيضا، وهل جرى تنظيمها كما يجب، وأي نوع من الأخطاء لازمها..!؟

لكن علينا كذلك أن نتوقف عن التظاهر بأننا نحن فقط من يفهم كل شيء ، فالساعة الآن في الناظور تشير إلى زمن رمادي،

وقد يكون هذا حال الكثير من المدن المغربية ، لكن في الناظور واقع آخر ، صحيح ان هناك من لا يحضر بسبب أعذار خارجة عن الإرادة، وبعض الاصدقاء يغيبون بداعي السفر وهذا غياب لا غبار عليه، لكن الغياب المقصود هو الذي يكون مرده الى الحزازات والخلافات بين الأشقاء…كل مجموعة لا تحضر سوى الانشطة التي تنظمها المجموعة  التي ينتمي اليها او الموالين لها..فتسمع مثلا ، لن نحضر ولا نشارك فهذا النشاط بضاعة أشخاص او مجموعات ما !!! 

والحقيقة ، هو غياب الضمير  مع طغيان الأنانية وسياسة الكيل بمكيالين… والنتيجة.. احتضاراً طويلاً للمدينة ، وغيبوبة ستدوم الى اجل غير مسمى..!  

قدرنا في الناظور اننا نعيش في مجموعات ،تشبه (الألتراس)  وكل مجموعة تعيش فقط داخل مجالها ، بعيدا عن المجموعات الاخرى، تربطهم علاقة تضاد وكأن نجاح البعض وتفوقه في اي مجال يقلل من قيمة البعض الآخر.. 

يملك المتأمل في أحوال علاقة “الاصدقاء” في الناظور بالأنشطة الثقافية التي تعرفها المدينة من مهرجانات ومعارض وندوات وما شابه هذا وذاك، إلا أن يأسف للدرك الأسفل الذي انزلق إليه هذا النوع من العلاقات في زمن يفترض فيه ان تكون هذه العلاقات على الاقل داعمة ومساندة ، بل والتشوه الذي طال مفهوم هذا الدعم والمساندة نفسه.. وياليتها فعلا ترقى الى مستوى الخلافات ، بل هي خلافات على أمور وقضايا لا تستدعي ما يتبعها من فراق وتباعد وقطيعة .

 وناهيك طبعا عن ما نسمعه في محطات وفي مناسبات أخرى من اعذارا وتبريرات من قبيل ان هذا النشاط مدعوما من جهات مخزنية، او انه مثلا من شخص ينتمي الى تيار ما او حزب ما، بل اننا نسمع احيانا ما مفاده ان هذا المهرجان او ذاك تموله الدولة ، اذن فهو مشبوه !!

بل واحيانا دعوات مقاطعة التي نشطت خلال الآونة الأخيرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

بل و ليس فقط لا نحضر هذه الانشطة بل نهاجمها كذلك، نوجّه حديثنا للكاميرا نسجل فيديوهات نهاجم فيها هذه الانشطة..تنتشر الفيديوهات بقوة على منصات التواصل الاجتماعي ويتبعها جدل كبير، ليعود مرة أخرى فتيل السجال في الاشتعال ،دون طرح أي بدائل. 

وهذا واقع ريفي محزن وغريب، إذ كيف يتغيب البعض عن انشطة لوجود خلاف مع الشخص المنظم مثلا، فهو منظم فقط…وقد يغيب البعض حتى لا يتواجه مع بعض آخر رغم أنهما “شقيقان”.

خلاصة الحكاية..

إذا أخذنا نسترسل في رصد مابين “ايريفيان” من حزازات وخلافات ومشاكل وأزمات صغيرة وكبيرة فلن ننتهي..

وما لم يتم تغيير خطابنا وأسلوبنا لن يتغير شيء ، و مادمنا على هذا الحال متسمرين ومستمرين وفقط في الكلام ولا غيره ،دون افعال ولا حتى التفكير في خلق أي بديل، فمن الصعب الحديث عن الأمل والتغيير .

هو واقع نعيشه اليوم بكل مرارة…هذا الواقع الذي يعيشه الناظور بشكل خاص و الريف بشكل عام من صراعات و خلافات واختلافات مفتعلة او بفعل فاعل…او  يتم إشعال فتيلها من قبل جهات لها اجنداتها ومخططاتها..

وهذا الوضع الاستثنائي الدائم يكشف إلى أي مدى أن الوضع الريفي متهرئ ومتشظٍ . 

الناظور يستحق أن يعود كما عرفناه ، زمن أواخر السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، كان واضحًا للعيان وجود حركة دؤوبة في كلّ مكان وشاملة بالمقاييس كلها، رغم شح الامكانيات .. زمن التطور الملفت في الحركة الثقافية بالناظور و بالريف عامة، عرف أصواتا أكثر جدية، وعمقا، في مجال الشعر، والغناء، والمسرح والمعرفة عموما، ظهرت أفكار تؤسس لثقافة جديدة ومغايرة لكل ما كان سائدا من قبل، فعاليات، أفكار، آفاق جديدة،  مهرجانات في الغناء والشعر والمسرح، كان صناع الفكر، ملهمي الأجيال، وأبطال التغيير الذين لم يكتفوا بالحديث عن العمل والابداع بل عاشوه، والناظور لا زال يمتلك مخزونًا ثقافيًّا فريدًا ،والمشعل يجب أن يمرّر إلى الأجيال الجديدة. .  

فهل نتفاءل بالمعارض والمهرجانات المستقبلية لتكتمل فيها أو على أعتابها المصالحة، أم أنها ستكون كسابقاتها من الانشطة تؤثثها الخلافات والصراعات وتكون بالتالي مجرد انشطة احتفالية بمن حضر ليبقى الوضع الناظوري على ماهو عليه حتى إشعار آخر؟!.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *