” ريف رس ” 12 اكتوبر 2026
يبدو أن طرقات الناظور اختارت لنفسها مسارًا خاصًا، لا يشبه ما هو معمول به في المدن التي تحترم راحة مستعملي الطريق، فهنا، لا يكفي أن تتفادى الحفر، بل عليك أن تتأقلم مع اهتزازات متواصلة تجعلك تشك للحظات في أنك لا تقود سيارة، بل تركب جملًا يشق طريقه وسط تضاريس وعرة!
المفارقة الساخرة أن بعض المقاطع تعرف أشغال التزفيت، بينما لا تزال طرقات أخرى محفرة ومهترئة، في وقت تعود فيه آليات الحفر إلى طرق جرى إصلاحها حديثًا، وكأن الإسفلت بالناظور لا يُكتب له أن يعيش طويلًا، أو كأن المدينة دخلت في دورة لا تنتهي. تزفيت، ثم حفر، ثم ترقيع، ثم انتظار جولة جديدة من الحفريات.
أما مستعملو السيارات، فلهم نصيبهم اليومي من هذه المغامرة المجانية، اهتزازات متتالية، ومناورات لتفادي الحفر، ومقود يتأرجح بين حفرة وأخرى، فيما تتحول بعض الرحلات القصيرة إلى اختبار حقيقي لصبر السائقين وقدرة سياراتهم على تحمّل الطرقات المتعبة. ومن يدري، ربما صار على السائق بالناظور أن يضيف إلى مهاراته في القيادة خبرة في القفز والمراوغة، حتى يصل إلى وجهته دون أن يترك جزءًا من مركبته في إحدى الحفر!
لكن خلف هذه الصورة الساخرة واقع لا يبعث على الضحك كثيرًا. فالحفر المتناثرة لا تسيء إلى صورة المدينة فحسب، بل تؤثر في سلامة السير، وتزيد من احتمال تضرر المركبات، وتثقل كاهل المواطنين بمصاريف الصيانة والإصلاح. والأسوأ أن استمرار هذه الوضعية يجعل السؤال عن جودة الأشغال وطريقة برمجتها وتدبيرها سؤالًا مشروعًا لا يمكن تجاهله.
فما الجدوى من تزفيت طريق، ثم العودة إلى حفرها بعد مدة وجيزة؟ وأين التنسيق بين الجهات التي تتدخل في شبكات الماء والتطهير وباقي التجهيزات؟ وهل تُنجز الأشغال وفق برنامج موحد، أم أن كل جهة تشتغل بمعزل عن الأخرى، بينما يُترك المواطن ليتكفل بمهمة اختبار متانة الطريق بسيارته وأعصابه؟
إن المشكلة لا تكمن فقط في الحفر التي تظهر بعد التزفيت، بل أيضًا في استمرار تدهور عدد من الطرقات التي تنتظر الإصلاح، وكأن جودة البنية التحتية مسألة ثانوية يمكن تأجيلها إلى إشعار آخر. أما الحديث عن تحسين التنقل وجودة الحياة، فيفقد كثيرًا من بريقه عندما يصبح اجتياز بعض الشوارع رحلة مليئة بالاهتزازات والمفاجآت غير السارة.
ولعل أكثر ما يثير الاستغراب أن الطريق يفترض أن تكون مرفقًا يسهل حركة المواطنين، لا حلبة لاختبار نظام التعليق في السيارات. فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأمتار التي جرى تزفيتها، ولا بعدد الأوراش التي افتُتحت، بل بمدى صمود الأشغال وجودتها، وبقدرة المواطن على التنقل دون أن يشعر بأنه يخوض سباقًا لتجاوز الحفر.
لقد آن الأوان للانتقال من منطق الترقيع المتكرر إلى تخطيط واضح يجمع مختلف المتدخلين، ويضمن تنسيق الأشغال ومراقبة جودتها، مع تحديد المسؤوليات عن المقاطع التي تُحفر بعد إصلاحها، ووضع برنامج عملي لمعالجة الطرقات المتضررة.
فالناظور ليست مضمارًا لسباقات المراوغة، ومستعملو طرقاتها لا يمتطون الجمال حتى يُطلب منهم التأقلم مع كل هذه الاهتزازات. إنهم مواطنون يستحقون طرقًا سليمة، وأشغالًا تحترم المال العام، وتدبيرًا ينهي معاناة الحفر بدل أن يجعلها جزءًا من الحياة اليومية.








