” ريف رس ” 26 مارس 2025
جمال الغازي/ألمانيا
كان رمضان في حي بوبلاو زمن الطفولة أشبه بحكاية تُروى، فيها عبق الروحانية ممزوجًا بفرح السهر، وحكايات الجدات، ولعب الأطفال في الأزقة الضيقة، ورائحة البخور التي تتسلل من البيوت المستعدة لاستقبال ليلة القدر. لم يكن مجرد شهر صيام، بل موسمًا من الدفء الاجتماعي، حيث تلتقي الأرواح وتتآلف القلوب، فتُنسج ذكريات لا تمحوها السنون.
ليالي رمضان في الأحياء الشعبية لها نكهة خاصة، فهي تجمع بين الذكر والقيام، ثم السهر مع الأحبة والجيران. كان المسجد العتيق، وهو أقدم مسجد في المدينة، الوحيد الذي تقام فيه صلاة التراويح وصلاة العيد في حي بوبلاو، بشقيه المدني والعسكري. هذا جعله قبلة للأطفال والشباب، حيث يجدون في فضائه الروحاني ملاذا لا يتكرر إلا مرة في السنة. كانت صومعته تتلألأ بأضواء مزينة تخطف الأبصار، فتبعث البهجة في النفوس، بينما تضيء أنوار المسجد الأزقة والمعابر المؤدية إليه، كأنها ترحب بالوافدين إليه.
في داخل المسجد، كان للكبار والشيوخ حضور مميز، حيث يعاملون بحفاوة واحترام. كنا، نحن الأطفال، نتنافس لنحظى بمكان في الصفوف الأولى، ليس فقط للصلاة، بل لنيل تلك الكلمات المباركة التي كانت تسعدنا: “الله يرضي عليك”, أو سؤال لطيف من أحد الشيوخ: “ابن من أنت؟” كلمات بسيطة، لكنها كانت توقظ فينا الشعور بالانتماء، وتحفزنا لنكون أفضل.
كنا نجتمع قبل أذان العشاء أمام بوابة المسجد، بجوار مكان يُعرف بـ “أدار”، وحوله مرآب قديم كنا نسميه “الكراج”. هناك كنا نخوض مغامرات تمثيلية، نعيد تمثيل مشاهد من أفلام بروس لي، أو نعيش أجواء المطاردات البوليسية التي كنا نشاهدها في السينما. كانت هناك حفرة متوسطة العمق في المكان، اتخذناها ساحة للقفز، مستلهمين حركاتنا من فيلم Big Boss الذي شاهدناه في سيني نريف وسيني نرويو.
إلى جوار الحفرة، كان هناك مستودع للطحين، حيث تتكدس أكياس الدقيق المتعفن الذي كان يُرمى هناك. هذا المكان، رغم رائحته المميزة، كان بمثابة حلبة لعب لنا، فالرطوبة التي خلفها الطحين المتراكم جعلت الأرضية لينة، مما وفر لنا بيئة آمنة للمصارعة والاحتكاك.
وسط هذا المشهد، كانت هناك سيارة قديمة مهجورة، جعلناها محور ألعابنا، فتارة نتصورها سيارة إسعاف، وأحيانًا عربة شرطة، أو حتى حافلة نقل عمومية. لم تكن لدينا ألعاب حديثة، لكن خيالنا كان يكفي ليجعل من أبسط الأشياء عالما من المتعة والتسلية.
أما دكان عبد الرزاق، فقد كان ملجأ العائلات البسيطة، حيث يتزودون بما ينقصهم من حاجيات، أو يستدينون منه عندما تضيق بهم الحال. كان التعامل قائمًا على الثقة، فيدفعون فواتيرهم آخر الشهر، في دورة من الصبر والتعايش مع قسوة الحياة.
بالنسبة لشباب الحي، كانت مقهى “حماد” مقصدهم في ليالي رمضان، حيث يسهرون على لعبة أبارتشي التي كانت شائعة في تلك الأيام. كان الصخب يتعالى كلما فاز أحدهم، فتسمع الفائز يصرخ فرحًا: “أرشام!”، والابتسامات تعلو الوجوه حتى يحين وقت السحور.
إلى جوار المقهى، كان هناك الصنبور العمومي، الذي كان بمثابة شريان الحياة للحي، حيث يتزود السكان بالماء الشروب، في وقت لم تكن شبكة المياه المنزلية متاحة للجميع. وفي ركن من المكان، كانت تفوح رائحة قوية لم أكن أفهمها في البداية، حتى أخبروني لاحقًا أنها رائحة “الكيف”.
أما ليلة القدر، أو “جيراث 27” كما كنا نسميها، فكانت مزيجًا من العبادة والرهبة والفرح. كانت العائلات والجيران يتنافسون في إعداد أشهى أطباق الكسكس، التي تُحمل إلى المسجد بعد صلاة المغرب، لتُقدم بعد التراويح في لقاء سنوي مهيب. كانت غرفة حفظ القرآن في المسجد تتحول إلى مائدة عامرة بأطباق شهية، مرصوصة بألوانها الزاهية، ما جعل الأطفال يتوقون لهذه الليلة طيلة رمضان. كنا نجلس قرب حائط المسجد، نستمع إلى قصص الجن وهاروت وماروت، حتى لا يغلبنا النعاس ونفوت فرصة مشاركة الجماعة في الوليمة.
أما نساء الحي، فكن يجتمعن في أحد البيوت، يتسامرن ويستمتعن بأجواء رمضان. كانت الأزقة تفوح برائحة البخور والمسك، معتقدين أن ذلك يستقبل الملائكة ويطرد الأرواح الشريرة. وكان يُقال لنا: “خذوا الملح في جيوبكم لتحصنوا أنفسكم من الجن، ولا تخرجوا بصدور عارية بعد المغرب، حتى لا يُمسّكم طائف!” كانت هناك أحيانًا صرخات نسائية تُسمع في بعض الأزقة، فيقال لنا إن الجن قد أصابها!
هكذا كانت ليالي رمضان في بوبلاو، مزيجًا من البساطة والسعادة، حيث كنا نستمتع باللحظة، رغم قلة ذات اليد. لم تكن حياتنا مترفة، لكننا كنا نعيشها بكل تفاصيلها، ونحمل منها ذكريات تبقى حيّة في القلب، لا يمحوها الزمن. إنها أيام لن تعود، لكنها ستبقى في الذاكرة، كنقوش محفورة على جدران الروح.







