” ريف رس ” 25 يناير 2025
بقلم: الأستاذ مولاي الحسن بنسيدي علي
السياسة فن الممكن، ولغتها ليست أكثر من مفردات مرنة تَشكَّلت لتلبي الحاجة الآنية لمخاطبة العواطف قبل العقول.
السياسي لا يقدم الحقيقة، بل يعرض ما يبدو أنه الحقيقة، يتحدث بلسان الناس ويصف لهم أحلامهم وكأنها قد تحققت على أرض الواقع. يسحر أتباعه بكلماته المنمقة، يصوغ الحقائق بحبكة لا يستطيع معها المستمع إلا أن يصدق ما يسمعه. إنه فنُّ إيقاع القلوب في شرك التبعية، بحيث يصبح السياسي أكثر من مجرد قائد، بل يتحول إلى فكرة، رمز، أو حتى إلهام.
عندما يستمع الناس إلى السياسي، ينساقون خلفه، تُحرِّكهم الأماني والآمال أكثر مما يحركهم العقل والمنطق. فهو يعرض عليهم صورة المستقبل الذي يتمنونه، يُشعرهم أن مشاكلهم ستُحلّ بلمسة واحدة، وأنه هو الوحيد القادر على تحويل الواقع المظلم إلى حلم مُشرق. في لحظات كهذه، يصبح صوت السياسي أقرب إلى نشيد مقدس، وصورته ترسو في أذهانهم كأنها طيف ملاك مرسل لإنقاذهم من بؤسهم.
لكن، كما يُقال، “الحقائق لا تكذب، لكنها تُخفى”. ما إن ينقلب السياسي عن وعوده، حتى يظهر الوجه الآخر. تتحول صورة الغزال الرشيق الذي أدهش الأعين إلى ذئب يتربص بفريسته، ويتبدل الملاك الذي أضاء القلوب إلى شيطان يخنق الأماني. عندها، تبدأ خيوط الوهم بالتمزق، ويتكشف للناس الوجه الحقيقي للعبة السياسية.
السياسي، ببساطة، لا يتبع مبدأً ثابتًا، بل يسير وفقًا لمصالحه. قد يبرر ذلك قائلاً: “السياسة تُحتم التغيير، ولا يدوم على حاله حال.” وهنا يظهر الفرق الجوهري بين السياسي العابر والسياسي المبدئي. الأول يغيّر معطفه متى شاء، يُبدل مواقفه كما تُبدَّل المواسم. أما الثاني، فهو نادر في عالم السياسة، ملتزم بمبادئه مهما اشتدت العواصف.
الحقيقة المُرة أن الجمهور نفسه يتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية. فالناس، في أغلب الأحيان، ينساقون خلف ما يُرضي عواطفهم دون أن يُجهدوا عقولهم في التفكير والتحليل. يصدقون السياسي لأنه يبيع لهم الأحلام، يُطمئنهم بأنهم على الطريق الصحيح، ويقدم لهم صورة وردية عن المستقبل الذي طالما حلموا به. في المقابل، السياسي الماكر يستغل هذا الاندفاع العاطفي لتحقيق أهدافه الخاصة، عارفًا تمامًا كيف يحرك المشاعر دون أن يُلزِم نفسه بوعود حقيقية.
لكن السياسة ليست شرًا مُطلقًا، والسياسي ليس دائمًا مُخادعًا. بين الجموع يوجد من يحمل نية حقيقية للإصلاح، لكنه غالبًا ما يُطحن بين طاحونة المصالح الكبرى. فالقوة السياسية لا تقاس فقط بالنوايا، بل بالقدرة على الموازنة بين المبادئ والمصالح دون أن يفقد السياسي ذاته أو يُضل أتباعه.
السياسة بين الخداع والوعي
الوعي السياسي هو السلاح الأقوى في يد الشعوب. فلا ينبغي للإنسان أن ينساق خلف الشعارات البراقة دون تدقيق في خلفياتها وأهدافها. كما لا ينبغي للعواطف أن تُلغي دور العقل في الحكم على الأمور. السياسة ليست ملعبًا للعواطف، بل هي مجال يتطلب الحكمة والبصيرة.
في نهاية المطاف، لا تصدق السياسي حتى وإن أقسم بأغلظ الأيمان. السياسة، كما تُمارَس اليوم، ليست أكثر من لعبة مصالح متشابكة، هدفها تحقيق الغايات الشخصية أكثر من تحقيق الصالح العام. الفارق بيننا وبين السياسي الماكر هو أننا نبحث عما يدغدغ مشاعرنا، بينما يبحث هو عما يخدم مصلحته.
الدرس الأكبر هنا هو ألا تُسلم عقلك لأي سياسي مهما بدا لك صادقًا. كن حريصًا على أن تُوازن بين العاطفة والعقل، وأن تُبقي دائمًا مساحة للتفكير النقدي. السياسي، في أفضل حالاته، يُعبر عن لحظة عابرة في تاريخ طويل. أما الحقيقة، فهي أكبر من أي خطاب أو شعار.







