” ريف رس ” 18 يناير 2025
بقلم : مولاي الحسن بنسيدي علي
في زحمة الحياة اليومية وصخب السعي وراء المصالح، ننسى أحيانًا أولئك الذين شكّلوا نسيج حاضرنا بعرقهم ودمائهم وأفكارهم.
المتقاعدون، الذين كانوا بالأمس قناديل أضاءت طرق النجاح والتقدم، يُطفئون اليوم على يد الجحود والنسيان. أليس من العار أن يتحول الإنسان الذي أفنى زهرة شبابه في خدمة وطنه ومجتمعه إلى رقم يُشطب عليه في سجلات الوظيفة؟
في كل بيت وبين كل أسرة، هناك متقاعد أو متقاعدة حملوا على عاتقهم مسؤوليات لا تحصى. أساتذة ومعلمون زرعوا بذور المعرفة وشكّلوا عقول الأجيال التي تحكم اليوم وتقرر مصائر الأمم. موظفون وإداريون ومستخدمون ناضلوا في الظل، بعيدًا عن الأضواء، لتسيير شؤون الحياة العامة والخاصة. ولكن ما إن تنطفئ شمعة عطائهم المهني حتى يجدوا أنفسهم في عزلة، وكأن ما قدموه كان واجبًا يُنسى لا تضحية تستحق التقدير.
الجحود في أعلى مراكزه
الأمر لا يقف عند حدود التجاهل، بل يصل إلى التنكر العلني لحقوق المتقاعدين. تجد من بين من يتربعون على كراسي القرار اليوم أشخاصًا يدينون بنجاحهم لمن علمهم وصقلهم وساندهم. ومع ذلك، لا يعترفون بفضل هؤلاء، بل ربما بعضهم لا يستطيع حتى كتابة اسمه بشكل صحيح، لكنه يقرر مصائر الملايين، ضاربًا عرض الحائط حقوق من أفنوا أعمارهم ليؤسسوا لبنة المجتمع.
الاعتراف ليس منّة بل حق
إن اعتراف الدولة والمجتمع بجهود المتقاعدين ليس منّة أو تفضّلًا، بل هو حق أصيل يجب أن يُحترم ويُصان. هؤلاء لا يطلبون أكثر من حياة كريمة تليق بكرامتهم، وتقدير معنوي يداوي جراح التجاهل. معاشاتهم التي بالكاد تكفي لسد احتياجاتهم ليست هي الحل الوحيد، بل يجب أن تكون هناك مبادرات تدمجهم في الحياة العامة، وتجعلهم يشعرون أن وجودهم لا يزال ضروريًا ومؤثرًا.
ورسالتي إلى أصحاب القرار لعلھم يعقلون
إلى من يتربعون على عروش السلطة، تذكروا أنكم ما كنتم لتصلوا إلى ما أنتم عليه لولا هؤلاء الذين سطروا لكم الطريق. إن الجحود يُفقدكم إنسانيتكم قبل أن يُفقدكم مصداقيتكم. ضعوا سياسات تراعي احتياجات المتقاعدين، وتمنحهم مكانة تليق بتضحياتهم. اجعلوا من تقاعدهم تكريمًا مستحقًا، لا صفحة تُطوى وكأنهم لم يكونوا يومًا.
واجعلوا نهاية الوفاء يبدأ من هنا
المجتمعات التي لا تكرّم متقاعديها ولا ترد لهم اعتبارهم هي مجتمعات تسير نحو التفكك والاندثار. هؤلاء هم ذاكرة الأمة وضميرها الحي، واحترامهم وتقديرهم ليس مجرد عمل أخلاقي، بل هو أيضًا حجر الزاوية لبناء مستقبل يحترم فيه الجميع أدوارهم، مهما اختلفت الأزمنة وتعاقبت الأجيال.
فلنرفع الصوت عاليًا، ونُعلن بكل فخر أن المتقاعدين هم شعلةٌ وفوانيس لا تنطفئ، بل تستحق أن تُبقي نورها حيًا في ذاكرة الوطن.







