” ريف رس ” 18 شتنبر 2023
جمال الغازي_ المانيا
قلت لها بصوت خافت، نابع من القلب موجها نحو القلب، صوت رنان يعبر عن أحاسيس متبادلة، ممزوج بالعطف والحنان ، إنه صوت مخلص يبحث عن الحقيقة المخفية، يحاول ان يكشف عن سر ولغز معاناتها، هو صوت خال من غدر الذئاب وهمجية الوحوش الجائعة ، إنه صوت إنساني ملائكي يفتح القلوب المجروحة والحزينة يشفي آلامه ويداوي كدمات الزمن العنيفة.
مريم الشابة العذراء ، زهرة الأقحوان البيضاء، نور كالقمر المضيء في ليلة مظلمة ، عيونها كانتا نافذتين الى عالم غامض وعميق كاعماق البحر ، كانت ساحرة الجمال التي لم تقع عين على شبيه لها في أي مكان، ولم تُروَّ القصص والأساطير عن مثيل لها ، إنها وجه صباحي لامع، سمراء البشرة، عيونها كنجوم الليل الهادئ تنير الحياة في أظلم اللحظات ، عيون ترمش بنور النقاء، كانت الليلة تتنفس ببطء كأنها تعيش قصة خاصة بها ، شعرها يتدلى كشلال يسقط فوق كتفيها ، صوت ضحكتها كان كلمة سحرية تذيب الجليد وتجلب الدفء في هذا البيت الذي كان مليئا باصوات الصمت المسجون في اعماق الام المسكينة ،في وجهها تنعكس الصراعات مع الذات والألم.
مريم هي تلك الإنسانة التي اجتاحتها عاصفة الأفكار المفاجئة هزت عالمها الداخلي المضطرب ، التي جعلتها تستطيع قراءة معاني حكايات الماضي البعيد وعمق الأحزان المتواترة في الأماكن والأزمنة، رحلة الأم والابنة كانت مليئة بالألوان والمغامرات كما لو ان مريم ستكشف عالما ولغزا جديدين في منزل يكتظ بالذكريات الجميلة التي لازالت تتراقص في الهواء .
بعدما أحست بصدق كلامي وقرأت في عيناي مودتي واحترامي، قالت سيدي الفاضل: “أنا شابة منهارة، أعاني في هذه الأيام السوداء حالات نفسية عصيبة مستعصية، لم أتجرع بعد طعم النوم فيها ، أحاول جاهدة قبول الأمر الواقع وفك خيوط هذه الصدمة الأخيرة التي فاجأتني بها امي ولم أكن أتوقعها او أصدقها!”
كانت مريم تعيش طفولة عادية مثل باقي الأطفال في الأحياء الشعبية على أطراف المدينة الكبيرة، طفلة وحيدة قطعة من قلب والدتها حيث ملأت أرجاء هذا البيت بالسعادة ، انه مشهد كان وكأنه لوحة فنية تجسد أوتار المحبة والحياة البسيطة ، جعلتها أمها تشعر براحة البال وأن لها خلفا واستمرارية بعد انقضاء الأجل ، كانت الأم ترى فيها الأمل في البقاء ومواجهة العزلة والوحدة ، كان هناك عطاء متبادل بينهما وتواصل دائم يرتبط بين الماضي والحاضر والاستعداد للمستقبل.
كانت الأم مرتعا للعطف والحنان، رابطة محبة عميقة ومتينة بينهما، تشبه تلاحم القلب والنبض ، الأم تمثل الأمان والدعم الأبدي في حياة مريم، ولم تحس البنية قط بالنقص والحرمان ، مريم مثل زهرة في أرض قاحلة، تتفتح أمام الحياة رغم التحديات، والدتها كانت تلك الشمس التي تنير وستنير حياتها بعبق الأمل، موفرة لها كل ما تحتاجه من لوازم الحياة، جعلتها تعيش مكرمة معززة ، كيف لا وهي قرة عينها ونور بصرها التي تشق بها غسق الصعاب .
في بيت متواضع تملكه أمها ورثته عن أهلها، عقارا قديما يعتبر سكنا ومصدرا للقوت اليومي وأساسا للراحة والاستقرار ، سكن يتألف من طبقين، السفلي مخصص للكراء، والعلوي مخصص لهما.
يتبع






