“ريف رس” 4 نوفمبر 2026
جمال الغازي
في سياق النقاش المتواصل حول اللغة الأمازيغية ومكانتها في الجامعة والمجتمع، نفتح هذا الحوار مع الدكتور جواد الزوبع، للوقوف عند واقع الأمازيغية وآفاقها بوصفها لغة للتعليم والبحث العلمي والإنتاج المعرفي، وما يرتبط بذلك من تحديات مؤسساتية ومجتمعية، فضلا عن آفاق خريجي الدراسات الأمازيغية في سوق الشغل.
السؤال الأول: هل تعتقد أننا وصلنا اليوم إلى مرحلة يمكن فيها استعمال الأمازيغية بشكل عادي في الندوات واللقاءات العلمية، أم ما زلنا في حاجة إلى الكثير من العمل؟
الدكتور جواد الزوبع:
نعم، أعتقد أنه يمكن القول إننا أصبحنا اليوم أمام إمكانية استعمال اللغة الأمازيغية بشكل عادي وتلقائي في مختلف الندوات واللقاءات العلمية، بالنظر إلى الأشواط المهمة التي قطعتها في مسار إدماجها في المجالين التربوي والأكاديمي، وما راكمته من مكتسبات مؤسساتية وعلمية.
فقد أدرجت الأمازيغية في المدرسة الابتدائية المغربية منذ سنة 2003، والتحقت بالجامعة سنة 2007 من خلال إحداث شعب ومسالك للدراسات الأمازيغية، فضلا عن الاعتراف الدستوري بها لغة رسمية سنة 2011. وقد أسهمت هذه المحطات في تعزيز حضورها المؤسساتي والأكاديمي، ومهدت لانتقالها من مجرد موضوع للدراسة والبحث إلى لغة مؤهلة للتدريس والتعبير عن المعرفة وإنتاجها وتداولها.
غير أن هذه المكتسبات لا تعني أن المسار قد اكتمل؛ إذ لا تزال هناك تحديات مرتبطة بمدى الانتقال من الاعتراف القانوني والمؤسساتي إلى التفعيل العلمي والبيداغوجي.
وفي هذا السياق، تكتسي الملاحظات التي أثرتها في مداخلتي خلال الندوة الوطنية التي نظمها مركز الأبحاث والدراسات الأمازيغية بالريف، بشراكة مع فرع المنظمة المغربية لحقوق الإنسان بالحسيمة، حول موضوع «الحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية بالمغرب بين واقع الممارسة ومتطلبات التفعيل»، أهمية خاصة، لما سلطت عليه الضوء من إكراهات وتحديات تواجه تدريس الأمازيغية بمؤسسات التعليم العالي.
وللتوسع في هذه القضايا والاطلاع على مزيد من التفاصيل بشأنها، أحيلكم على المقالات التي نشرت في هذا الموضوع ضمن العددين السابع والثامن من مجلة «توسنيوين»، الصادرة عن مركز الأبحاث والدراسات الأمازيغية بالريف.
ومن ثم، فإن تعزيز حضور الأمازيغية في الجامعة لا يقتصر على توسيع نطاق تدريسها، بل يقتضي أيضا مراجعة بعض الممارسات البيداغوجية، وتطوير المناهج والمضامين التكوينية، والعمل على توسيع حضورها في مختلف التخصصات والحقول المعرفية.
كما يستدعي الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدما، قوامها تشجيع البحث العلمي والإنتاج المعرفي باللغة الأمازيغية، من خلال مشاريع بحثية جماعية تسهم في بناء رصيد اصطلاحي ومفاهيمي متخصص، وتطوير أدواتها التعبيرية والعلمية.
السؤال الثاني: في نظرك، ما الذي ينقص الأمازيغية حتى تصبح لغة للبحث العلمي؟ هل نحتاج إلى تطوير المصطلحات، أم إلى تكوين الباحثين، أم إلى تشجيع المؤسسات الجامعية؟
الدكتور جواد الزوبع
إن الانتقال باللغة الأمازيغية إلى مرحلة البحث العلمي والإنتاج المعرفي يتطلب تضافر مجموعة من العناصر، ولا يمكن اختزال الأمر في جانب واحد دون غيره.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية إنجاز معاجم أمازيغية متخصصة في مجالات اللسانيات والأدب والديداكتيك، فضلا عن مختلف التخصصات العلمية والمعرفية الأخرى، بما يتيح تطوير الرصيد الاصطلاحي للأمازيغية، وتدقيق المصطلحات العلمية وتوحيدها.
ولا يمكن أن تظل هذه المهمة رهينة المبادرات الفردية للباحثين، بل تقتضي انخراطا جماعيا ومنظما لمختلف الفاعلين في الحقل الأكاديمي، من باحثين وأساتذة جامعيين ومؤسسات معنية، وفي مقدمتها الجامعات والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.
ويتجلى هذا الانخراط في دعم المشاريع المعجمية والمصطلحية، وتشجيع التأليف والترجمة والنشر العلمي باللغة الأمازيغية، فضلا عن توفير الإمكانات المادية والعلمية والمؤسساتية اللازمة لإنجاز بحوث متخصصة بها وفي مختلف حقول المعرفة.
وعليه، فإن الجامعة مطالبة اليوم بألا يقتصر دورها على تدريس الأمازيغية باعتبارها موضوعا للدراسة الأكاديمية فحسب، بل أن تضطلع أيضا بدور فاعل في ترسيخ مكانتها وتوسيع مجالات استعمالها، باعتبارها لغة للتدريس والبحث والتأليف والتواصل العلمي.
ويتطلب ذلك العمل على تطوير قدراتها الاصطلاحية والمعجمية والمنهجية، بما يمكنها من استيعاب مختلف المعارف والتعبير عنها وإنتاجها. وهو ما يستدعي إرادة جماعية، وتخطيطا مؤسساتيا، وانخراطا فعليا للباحثين والفاعلين، إلى جانب عمل علمي متواصل ينقل الأمازيغية من دائرة الاعتراف القانوني والمطالب المشروعة إلى فضاء الممارسة والإنتاج المعرفي الملموس.
السؤال الثالث: كيف يمكن الانتقال من الخطاب حول النهوض باللغة الأمازيغية إلى الممارسة الفعلية؟ وما أهمية الندوات العلمية في هذا المسار؟
الدكتور جواد الزوبع:
إن الحديث عن النهوض باللغة الأمازيغية ينبغي أن يرتبط بمبادرات عملية وإسهامات علمية ومعرفية ملموسة. فالمزايدات الخطابية تتمثل في تضخيم الشعارات وتكرار الحديث عن النهوض بالأمازيغية، دون أن يصاحب ذلك عمل جاد أو إنتاج علمي ومعرفي يساهم في تطويرها وتوسيع مجالات استعمالها.
والأهم من الشعارات هو العمل، ومن الادعاءات تحقيق الإنجازات، ومن الحديث عن اللغة استعمالها في الممارسة اليومية والعلمية. فالانتقال من الخطاب إلى الفعل يقتضي تشجيع البحث العلمي والإنتاج المعرفي باللغة الأمازيغية، وتوسيع استعمالها في التواصل الأكاديمي.
وفي هذا السياق، شكلت الندوة التي نظمتها أكاديمية المملكة المغربية، والتي شاركت فيها بصفتي عضوا في لجنة القراءة والتحكيم، مناسبة علمية مهمة لإغناء النقاش الأكاديمي حول «رهانات ترسيخ اللغة والثقافة الأمازيغيتين والنهوض بهما ونشرهما».
وقد استوقفتني بشكل خاص مداخلة صديقي الأستاذ عياد ألحيان، من شعبة الدراسات الأمازيغية بأكادير، التي قدمها باللغة الأمازيغية. وقد كان لهذا الأمر معنى علمي وأكاديمي عميق، لأنه لا يتعلق بمجرد اعتزاز رمزي باللغة والهوية، بل بممارسة علمية فعلية تساهم في توسيع استعمال الأمازيغية وتعزيز حضورها في المجال الأكاديمي.
إن مثل هذه المبادرات تتيح فرصا لتبادل الأفكار والخبرات، وتؤكد أن الأمازيغية قادرة على أن تكون لغة للنقاش العلمي والتعبير عن القضايا المعرفية، متى توفرت الإرادة والعمل المنظم.
كما أن تفعيل مكانة الأمازيغية الرسمية، في ضوء الدستور والقانون التنظيمي المتعلق بتفعيل طابعها الرسمي، يقتضي إدماجها في مختلف مجالات الحياة العامة، وعدم حصرها في مجال التعليم أو في المناسبات الثقافية.
السؤال الرابع: ما مدى أهمية الوعي المجتمعي والإرادة السياسية والمؤسساتية في النهوض باللغة الأمازيغية؟
الدكتور جواد الزوبع:
إن الوعي المجتمعي والإرادة الجماعية يشكلان شرطين أساسيين للنهوض باللغة الأمازيغية. فلا يمكن تحقيق تقدم ملموس دون اقتناع المجتمع بأهمية التنوع اللغوي والثقافي، ودون وجود إرادة سياسية واضحة تترجم هذا الاقتناع إلى سياسات لغوية داعمة.
ويتطلب الأمر عملا علميا ومؤسساتيا متواصلا من أجل توسيع حضور الأمازيغية في التعليم والتكوين والبحث العلمي والقضاء والإدارة والإعلام وغيرها من المجالات. كما أن تفعيل مكانتها الدستورية لا ينبغي أن يظل محصورا في النصوص القانونية، بل يجب أن ينعكس على الممارسة اليومية وعلى فرص استعمالها في الحياة العامة.
ويظل التعاون بين المؤسسات والجامعات والباحثين والمجتمع المدني ضروريا لتطوير اللغة الأمازيغية، وإنتاج المعرفة بها، وتوفير الشروط التي تسمح لها بالقيام بوظائفها اللغوية والثقافية والعلمية.
إن الاعتراف القانوني خطوة مهمة، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية ومجتمعية ومؤسساتية تضمن تنزيله على أرض الواقع.
السؤال الخامس: هناك من يتحدث عن تفاوت بين اللغات في قدرتها على التعبير العلمي. كيف تنظرون إلى هذه المسألة من منظور لساني؟
الدكتور جواد الزوبع:
من منظور لساني وعلمي، فإن اللغات متساوية في الرتبة والقيمة اللغوية والعلمية، وهي جميعا قادرة على التواصل والتعبير وإنتاج المعرفة. ولا توجد لغة متفوقة بطبيعتها على لغة أخرى، كما لا توجد لغة أدنى من غيرها من حيث قدرتها الذاتية على التعبير عن المفاهيم العلمية.
إن الفوارق التي نلاحظها بين اللغات في مجالات البحث العلمي والتكنولوجيا والإنتاج المعرفي ترتبط أساسا بشروط تاريخية واجتماعية ومؤسساتية، وبمدى توفرها على سياسات لغوية داعمة، ومؤسسات علمية، ومشاريع للبحث والتأليف والترجمة والنشر.
ولكل لغة نظامها الصوتي والصرفي والتركيبي والدلالي، وهي أنظمة قابلة للتطور والتجدد والتفاعل مع المحيط. فاللغة ليست كيانا جامدا، بل تتطور باستمرار بحسب حاجات مستعمليها وشروط حياتها.
وفي هذا السياق، أستحضر قول اللساني الراحل قاضي قدور، أحد رواد اللسانيات الأمازيغية، حين وصف اللغة بأنها: «كائن حي يخضع لقانون التطور والتفاعل مع المحيط الذي يعيش فيه».
وعليه، فإن تطوير الأمازيغية لتكون لغة للبحث العلمي لا يتطلب إثبات قدرتها الذاتية، لأن هذه القدرة قائمة من حيث المبدأ، بل يتطلب توفير الشروط العلمية والمؤسساتية التي تسمح بتطوير مصطلحاتها ومناهجها، وتوسيع استعمالها في مختلف مجالات المعرفة.
السؤال السادس: ما آفاق خريجي مسالك الدراسات الأمازيغية في سوق الشغل، في ظل الصعوبات التي تواجههم في الولوج إلى مهنة التدريس، ومحدودية فرص إدماجهم المهني بالمغرب؟
الدكتور جواد الزوبع:
للإجابة عن هذا السؤال المهم، والمرتبط بآفاق خريجي شعب ومسالك الدراسات الأمازيغية بالمغرب، وخاصة في مجال مهنة التدريس، تجدر الإشارة إلى أن هذا الموضوع يكتسي أهمية خاصة في الظرفية الراهنة، خصوصا مع اقتراب موعد إجراء مباراة التعليم، وما يرافقها من تساؤلات وإكراهات تتعلق بشروط الولوج والانتقاء ومدى احترام مبدأ التخصص.
وفي هذا السياق، يمكن الوقوف عند مجموعة من التحديات التي تواجه هذه الفئة، سواء على مستوى الإنصاف في شروط الترشيح، أو ملاءمة اختبارات المباراة مع التكوين الجامعي، أو محدودية فرص الإدماج المهني.
وانطلاقا من هذه الاعتبارات، نأمل أن تحظى هذه المسألة باهتمام الجهات والمسؤولين عن قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، من خلال دراسة إمكانية مراجعة شروط الولوج إلى مباراة التعليم، بما يستحضر خصوصية التكوين الأكاديمي لهذه الفئة، وذلك عبر النظر في التدابير الآتية:
– مراجعة معايير الانتقاء الأولي بما يضمن الإنصاف وتكافؤ الفرص بين خريجي مختلف الإجازات المتخصصة في اللغة الأمازيغية.
– ملاءمة اختبارات المباراة مع التكوين الجامعي والتخصص الأكاديمي للمترشحين، بما يكرس مبدأ التخصص في عمليتي الانتقاء والتقويم.
– مراجعة شرط السن الأقصى للترشح، بما يتيح فرصا أوسع أمام الكفاءات المتخصصة في الدراسات الأمازيغية، بالنظر إلى محدودية عدد خريجي هذه التخصصات والحاجة إلى استثمار مؤهلاتهم الأكاديمية في مجال تدريس اللغة الأمازيغية.
إن إنصاف هذه الفئة يقتضي الاعتراف بمؤهلاتها الأكاديمية، وتثمين مسارات تكوينها الجامعي. وما ينبغي التأكيد عليه في هذا السياق هو أن النهوض باللغة الأمازيغية وتعزيز حضورها في المنظومة التربوية يقتضيان تمكين خريجي شعب ومسالك الدراسات الأمازيغية من الولوج إلى المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، قصد استكمال تكوينهم المهني والتأهيلي، بما يمكنهم من اكتساب الكفايات اللازمة لممارسة مهنة التدريس.
ويأتي ذلك انسجاما مع مكانتها الدستورية باعتبارها لغة رسمية للمملكة إلى جانب اللغة العربية.
اشكر الدكتور جواد الزوبع على تفاعله مع أسئلتي، وعلى ما قدمه من إضاءات حول قضايا اللغة الأمازيغية ومكانتها في الجامعة والمجتمع، وآفاق البحث العلمي والإنتاج المعرفي بها.
وفي الختام، اعد القراء بأن هذا الحوار لن يكون الأخير، بل ستكون لي في المستقبل حوارات أخرى مهمة مع الدكتور جواد الزوبع، نتناول فيها قضايا الثقافة الأمازيغية والأدب الأمازيغي، ونفتح آفاقا جديدة للنقاش والمعرفة.
واثمن فيه تواصله الجميل مع الجميع، واستعداده للحوار بكل تواضع وانفتاح، دون استكبار أو تهرب من الأسئلة. فمثل هذا التواصل يثري النقاش الثقافي ويقرب المعرفة من المهتمين بها.







