” ريف رس ” 1 نوفمبر 2026
محمد المحفوظي
على مقربة من إشارات المرور ومفترقات الطرق ومداخل الطريق السيار في مدينة الناظور، يظهر كل يوم مشهد صار مألوفا لدى السائقين: أطفال وفتيات في عمر الزهور يتنقلون بين السيارات حاملين علب المناديل الورقية، يطرقون النوافذ ويعرضون بضاعتهم. يمر كثيرون أمامهم دون انتباه، بينما يرى فيهم آخرون صورة صغيرة لمعاناة اجتماعية أكبر.
أول ما يلفت الانتباه هو الخطر الجسدي المباشر. فالطفل الذي يعبر بين السيارات المتحركة أو يقف بمحاذاة الطريق السيار معرض في كل لحظة لحادث دهس، خصوصا مع السرعة وضعف الرؤية وانشغال السائقين. ويضاف إلى ذلك الوقوف ساعات طويلة تحت الشمس أو المطر، واستنشاق عوادم السيارات، دون أكل منتظم أو راحة كافية.
تختلف الحالات، ويصعب تعميم تفسير واحد عليها. فبعض الأطفال يخرجون للبيع بدافع الحاجة، لمساعدة أسر تعاني الهشاشة وضعف الدخل. وقد يكون آخرون مدفوعين من أشخاص بالغين، أقارب أو غرباء، يستفيدون من عائد البيع. وهنا يتحول الأمر من فقر ظرفي إلى استغلال اقتصادي للأطفال. أما الفتيات فهن الأكثر عرضة للتحرش والاعتداء في فضاء مفتوح بلا حماية.
الثمن الأكبر يدفعه التعليم. فالطفل الذي يقضي نهاره في البيع غالبا ينقطع عن المدرسة، فيكبر دون مؤهلات تفتح له أبواب عمل كريم، ويعيد إنتاج دائرة الفقر نفسها مع جيل جديد.
قد يكون أن مجرد إبعاد الأطفال من الشوارع لا يحل المشكلة، بل قد يدفعهم إلى أماكن أكثر خفاء. والمقاربة الأنجع تجمع بين:
دعم الأسر الهشة اجتماعيا واقتصاديا حتى لا تضطر إلى الدفع بأبنائها إلى الشارع.
إبقاء الأطفال في المدرسة عبر المنح والدعم المدرسي والنقل.
تتبع الشبكات المستغلة ومحاسبة من يستغل الأطفال.
تفعيل مراكز حماية الطفولة وفرق التدخل الاجتماعي للتكفل بالحالات الخطرة.
إشراك الجمعيات المحلية والسلطات والمجالس المنتخبة في خطة واضحة ومتابعة ميدانية.
ليست هذه الظاهرة شأن الدولة وحدها. فالمجتمع أيضا مدعو إلى التفكير في سلوكه اليومي: هل يشجع شراء المناديل من الأطفال استمرار الظاهرة؟ وهل الأجدى توجيه التضامن نحو جمعيات وبرامج تحمي الطفل بدل أن تبقيه في الشارع؟ الجواب ليس بسيطا، لكن طرح السؤال هو بداية الحل.
إن طفلا يبيع المناديل بين السيارات ليس مشهدا عابرا، بل جرس إنذار عن حق مهدور. وحماية هؤلاء الأطفال في الناظور وغيرها اختبار حقيقي لمدى التزامنا بطفولة تستحق أن تعيش في المدرسة لا على حافة الطريق.







