الرئيسية / فن و ثقافة / حسن تيبرينت (حسن أوريو): صوت الأرض وذاكرة الأغنية الريفية الملتزمة
فن و ثقافة

حسن تيبرينت (حسن أوريو): صوت الأرض وذاكرة الأغنية الريفية الملتزمة

2026-09-05 18:42 7 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس”5 شتنبر 2026

جمال الغازي

لم يكن إعداد هذا الجزء مجرد كتابة عابرة، بل استغرق مني وقتا طويلا في الاستماع الى حسن تيبرينت، ومراجعة ما اتوفر من معلومات، والبحث والتدقيق في التفاصيل، حرصا على أن يكون التوثيق دقيقا ومنصفا، ويمنح هذه الشخصية ما تستحقه من اهتمام.

وهذه  الحلقة من سلسلة:

«شخصيات ناظورية تعرفت عليها»

رحلة نواصل من خلالها التعريف بشخصيات تركت بصمتها في ذاكرة الناظور وذاكرتي، بعيدا عن الأحكام المسبقة، وقريبا من التوثيق والإنصاف. 

يعتبر حسن تيبرينت، المعروف ايضا باسم حسن اوريو، واحدا من الاسماء البارزة في تاريخ الاغنية الامازيغية الريفية الملتزمة، ومن الجيل الذي ساهم في نقل الاغنية في منطقة الريف من التعبير الفلكلوري التقليدي الى فضاء اوسع يرتبط بالانسان والهوية والارض والقضايا الاجتماعية والثقافية.

برزت تجربته الفنية منذ سبعينيات القرن الماضي في اعروي  الناظور ومحيطها، في مرحلة كانت فيها الحركة الثقافية والفنية تعرف تحولات مهمة، وبدأت فيها مجموعة من الاصوات الشابة تبحث عن اشكال جديدة للتعبير عن واقع المجتمع الريفي وتطلعاته. وكان تيبرينت من بين الفنانين الذين جعلوا من الاغنية وسيلة للتعبير عن الهموم الاجتماعية والانسانية، وعن قضايا الارض والهجرة والحرية والكرامة والذاكرة والهوية.

ينتمي حسن تيبرينت الى الجيل المؤسس للاغنية الريفية الامازيغية الحديثة، وهو جيل لم يكن ينظر الى الفن باعتباره مجرد وسيلة للترفيه، بل كان يعتبره مجالا للتعبير والتوعية وحفظ الذاكرة. ومن هذا المنطلق، ارتبطت تجربته بجو ثقافي كان يبحث عن اعادة اكتشاف التراث المحلي وتثمينه، وفي الوقت نفسه تطوير اشكال فنية قادرة على التعبير عن تحولات المجتمع.

كانت بداياته الفنية مرتبطة بالطفولة، حيث تعرف على بعض الالات التقليدية مثل البندير وثامجا، قبل ان يتطور اهتمامه بالموسيقى والغناء. ومع مرور الوقت، اتسعت دائرة استماعه وتأثره بالموسيقى الامازيغية وبعدد من الفنانين، ومن بينهم محمد التوفالي  ، رويشة، شيخ امام ومارسيل خليفة كما اشار في مرحلة من حياته الى تأثره بمحمد رويشة رواها لي شخصيا. غير ان مساره الفني اللاحق يكشف عن توجه خاص في التلحين والاداء، جعل تجربته تحمل بصمته الخاصة.

كان للالات الوترية حضور اساسي في تجربته، وخاصة العود والقيثارة مع ايريزام. وقد وجد في القيثارة اداة مناسبة تجمع بين العزف والغناء والتلحين، وتسمح له بتقديم اغانيه بطريقة بسيطة ومباشرة، حيث يظل الصوت والكلمة في مركز العمل الموسيقي.

شارك حسن تيبرينت في عدد من التجارب والمجموعات الفنية التي رافقت تطور الاغنية الريفية. وكان من الاعضاء المؤسسين لمجموعة يني يغزار، التي عرفت لاحقا باسم ايريزام وهو الذي اختار لها هذا الاسم، ثم ارتبط بتجربة اين اومازيغ، قبل ان يدخل في تجربة ثنائية مع ميمون الرحموني. وفي مرحلة لاحقة اختار تقديم اعماله بشكل فردي، معتمدا اساسا على صوته والعود او القيثارة.

ومن المحطات البارزة في مساره الفني مشاركته مع ميمون الرحموني في مهرجان الاغنية الشعبية بالدار البيضاء، حيث حصلا على الرتبة الثانية، وهي محطة تؤكد حضور التجربة  خارج مجالها المحلي، وتكشف عن انفتاح الفنانين الريفيين في تلك المرحلة على المشهد الفني المغربي.

لم تكن الاغنية بالنسبة الى حسن تيبرينت منفصلة عن الواقع الذي عاشه وشاهده. فقد استمد كثيرا من موضوعاته من الحياة اليومية ومن معاناة الناس، ومن الفقر والتهميش والهجرة والغربة، ومن وضعية المرأة والاسرة، ومن علاقة الانسان بالارض والذاكرة. وكان يحول هذه التجارب والمشاعر الى الحان، لتصبح الاغنية مساحة للتعبير عن الالم والامل في الوقت نفسه.

كما ارتبطت تجربته بالتراث الشعري الامازيغي، وخاصة ازران، باعتباره احد اشكال التعبير الشعري العريقة في الريف. وقد ساهم في تكييف هذا الموروث مع الاغنية الملتزمة، بحيث لم يعد التراث مجرد مادة تستعاد كما هي، بل اصبح عنصرا قابلا للتطوير والتوظيف في التعبير عن قضايا الحاضر.

وكان حسن تيبرينت واعيا باهمية جمع التراث وتوثيقه، اذ كان يرى ان الذاكرة الثقافية لا يمكن ان تستمر من دون حفظ ما تركه السابقون واتاحته للاجيال الجديدة. ولهذا استفاد في اعماله من مقاطع وتعبيرات مستمدة من التراث ومن تجارب شعراء وفنانين من المنطقة، ومن بينهم شعطوف ومذروس، في محاولة لربط الاغنية الجديدة بجذورها الثقافية.

وفي سنة 1978 برزت جمعية الانطلاقة الثقافية كاحدى الفضاءات التي احتضنت النشاط الثقافي والفني في المنطقة، وساهمت في خلق مناخ ساعد عددا من المواهب على الظهور والتطور. وكانت هذه المرحلة جزءا من حراك ثقافي اوسع في الريف، لم يقتصر على الناظور وحدها، بل امتد الى مناطق اخرى، من بينها الحسيمة، حيث شهدت الساحة الثقافية والفنية بدورها تجارب في الموسيقى والمسرح والعمل الثقافي.

ارتبط اسم حسن تيبرينت بهذا المناخ الثقافي، واستمرت علاقته بالفعل الثقافي والفني في مراحل لاحقة، ومن بينها مشاركته في انشطة وامسيات ثقافية وفنية بمدينة الناظور خلال فترة جمعية ثانوكرا في تسعينيات القرن الماضي. وتكشف هذه المرحلة عن استمرار حضوره الفني، وعن انتقال تجربته من مرحلة التأسيس الى مرحلة اكثر نضجا واستقرارا.

ومن الاعمال التي ارتبطت باسمه اغنية Yesfuffi-dd Uɛeqqa، وهي من الاغاني ذات الطابع الملتزم، بكلمات للشاعر سعيد الموساوي، وتعبر عن الثبات والتشبث بالارض. كما تبرز اغنية Wir tru ya mmi بطابعها الانساني، من خلال تناول موضوع الام والابناء وما يرتبط بالفراق والهجرة والمعاناة. وهناك ايضا Tala او La Source، التي تحيل في مضمونها الى فكرة المنبع والاصالة الثقافية والتجدد، الى جانب Min Gha Yinigh التي تحمل بعدا فلسفيا واجتماعيا يتصل بصعوبة التعبير في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية. كما تحضر Ayemma Henna بما تحمله من شحنة وجدانية مرتبطة بالام والغربة والتهميش، الى جانب Ttraghigh-dd x-am واغنية ksid adarig كلمات بولشيوخ خالد وغيرها من الاعمال التي تكشف عن تعدد موضوعات تجربته.

ولا تقتصر اهمية حسن تيبرينت على الاغاني التي قدمها، بل تمتد الى الطريقة التي جعل بها من صوته وكلمته وسيلة للتعبير عن مرحلة تاريخية عاشها الريف، بكل ما حملته من تحولات اجتماعية وثقافية. فاغانيه تقدم، في جانب منها، صورة عن انسان تلك المرحلة، وعن اسئلته ومخاوفه واحلامه وعلاقته بالارض والهجرة والهوية.

كما ان تجربته ارتبطت بالهجرة والفضاء الاوروبي، حيث وجد الفن الريفي الامازيغي طريقه الى ابناء المنطقة المقيمين في اوروبا. وفي هذا السياق تبرز مشاركاته الفنية والثقافية ضمن اوساط المهاجرين، بما جعل الاغنية وسيلة للحفاظ على الصلة بالريف واللغة والذاكرة، وفي الوقت نفسه مجالا للتعبير عن قضايا الجالية وتحولاتها.

وقد اشار حسن تيبرينت في شهادة شخصية الى لقاء جمعه في بداية الثمانينيات بمدينة دوسلدورف في المانيا، ارتبط بفكرة استمرار تجربة يني اومازيغ، كما تحدث عن مشاركات فنية وثقافية في تلك المرحلة. وتظل تفاصيل هذه المشاركة، وخاصة اسم المناسبة والجهة المنظمة وطبيعة الحدث، بحاجة الى الرجوع الى الوثائق والارشيفات المباشرة من اجل تثبيتها بصورة دقيقة.

وصلت بعض اعمال حسن تيبرينت الى الجمهور من خلال التسجيلات القديمة على اشرطة الكاسيت، والتسجيلات الحية، وبعض المواد التلفزيونية والوثائقية، وهو ما يجعل الارشيف السمعي والبصري مصدرا مهما لاعادة بناء مساره الفني وتحديد مراحل تجربته واعماله وتواريخها.

ولعل ما يميز حسن تيبرينت ايضا هو موقفه من الفن نفسه. فهو لم يتعامل مع الموسيقى باعتبارها مجرد مهنة او وسيلة لتحقيق الشهرة، بل ظل مرتبطا بها بوصفها جزءا من حياته ووسيلة للتعبير. ولذلك ظل العود بالنسبة اليه اكثر من مجرد آلة موسيقية، بل رفيقا لمساره الفني ووسيلة حمل بها صوته وكلمته الى الجمهور.

وقد وصفه من عرفوا تجربته الفنية بانه فنان ذو حضور انساني واخلاقي، متواضع وقريب من الناس، يمتلك صوتا ذا طابع خاص، ويتميز بقدرة على الجمع بين الاحساس والكلمة والموقف. كما ارتبط اسمه في الذاكرة الفنية الريفية بتجربة الفنان الملتزم الذي جعل من الاغنية مجالا للتعبير عن قضايا الانسان والمجتمع.

ورغم ان جزءا من اعمال جيله لم يحظ بالتوثيق الكافي في حينه، فان تسجيلات حسن تيبرينت وشهاداته واعماله المتداولة تظل مادة مهمة لاعادة كتابة تاريخ الاغنية الريفية الامازيغية خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وتزداد اهمية هذه المادة اليوم مع الحاجة الى تجاوز الذاكرة الشفوية وحدها، والانتقال الى جمع التسجيلات والصور والملصقات والشهادات والوثائق والبرامج الفنية، ومقارنتها من اجل بناء صورة دقيقة عن هذه التجربة.

لقد كان حسن تيبرينت واحدا من الفنانين الذين جعلوا من الاغنية اكثر من مجرد لحن وكلمات. فقد حملت تجربته جانبا من ذاكرة الريف، ومن اسئلة جيله، ومن معاناة الناس وتطلعاتهم. ولهذا فان توثيق مساره لا يتعلق بشخص الفنان وحده، بل يتعلق ايضا بتاريخ مرحلة كاملة من التحول الثقافي والفني في المنطقة.

حسن تيبرينت، الفنان والانسان، واحد من الاسماء التي تستحق ان تحفظ تجربتها من النسيان، وان تجمع اعمالها وشهاداتها وتسجيلاتها ضمن ارشيف منظم، حتى تتمكن الاجيال القادمة من التعرف على مرحلة كان فيها الفن جزءا من الوعي والذاكرة والتعبير عن الانسان والارض والهوية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *