” ريف رس ” 26 يوليوز 2026
الأستاذ محمد بوزكو يكتب ..
منذ أشهر، يلاحظ كل متابع للشأن الثقافي والفكري في المغرب تصاعدًا لافتًا للهجوم على الأمازيغية، وعلى كل من يدافع عنها أو يطالب بإنصافها…
والمفارقة أن هذا التصعيد لم يأت لأن الأمازيغية أصبحت مهيمنة على الفضاء العام، أو لأنها أزاحت العربية من المدرسة أو الإدارة أو الإعلام، وإنما جاء في اللحظة التي بدأ فيها الأمازيغ يطالبون، ليس بأكثر من احترام الدستور، وتفعيل القانون التنظيمي، وتمكين الأمازيغية من المكانة التي أقرها لها المغاربة جميعًا…
وهنا يبرز سؤال بسيط لكنه عميق: لماذا يثير الحديث عن المساواة كل هذا القلق؟…
ولماذا يتحول الدفاع عن لغة رسمية للدولة إلى تهمة، بينما لا يثير استمرار تهميشها أي انزعاج؟…
ثمة مفارقة أخرى تستحق التأمل… فبعض الأصوات لا يزعجها ضعف الأمازيغية، ولا تأخر إدماجها، ولا محدودية حضورها في المدرسة والإدارة والإعلام، لكنها تستنفر كلما طالب الأمازيغ بتفعيل ما ينص عليه الدستور، وكأن المشكلة ليست في تهميش الأمازيغية، بل في مجرد مطالبتها بالمساواة…
ولذلك، كلما قرأت مقالات من هذا النوع، ينتابني شعور بأن النقاش ينزلق من سؤال الحقوق إلى سؤال التخوين… ومن مناقشة الواقع إلى صناعة خصوم وهميين… وكأن الدفاع عن لغة وثقافة أصيلتين في هذا البلد يحتاج دائمًا إلى شهادة في الوطنية…
لا أكتب هذا دفاعًا عن أي خطاب متشنج، فكل خطاب يقوم على الإقصاء والكراهية مرفوض، أيا كان مصدره…
لكن من غير المنصف أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة… وأن تُستعمل بعض الأصوات ذريعة للتشكيك في قضية ثقافية وتاريخية ودستورية عمرها عقود…
القضية الأمازيغية لم تولد على مواقع التواصل الاجتماعي، ولم تبدأ مع جيل اليوم… إنها قضية مرتبطة بتاريخ شمال إفريقيا، وبثقافة ولغة شكلتا أحد أهم روافد هذه المنطقة عبر آلاف السنين، قبل الدول الحديثة، واستمرتا رغم تعاقب الحضارات والتحولات السياسية…
لذلك، فإن الدفاع عن الأمازيغية ليس اختراعًا لهوية جديدة، ولا محاولة لمحو غيرها، وإنما دفاع عن حقيقة تاريخية، وعن حق ثقافي ودستوري…
ومن حق الباحثين أن يختلفوا في قراءة التاريخ، وأن يناقشوا تفاصيله، لكن ليس من حق أحد أن يقفز على الحقائق التاريخية الكبرى لشمال إفريقيا، أو أن يصور الحديث عن العمق الأمازيغي لهذه المنطقة وكأنه مشروع انفصال أو تهديد للوحدة الوطنية…
فالتاريخ لا يكتب بالشعارات، ولا بالرغبات الإيديولوجية، وإنما بالبحث العلمي الرصين…
أما الواقع اللغوي في المغرب، فهو أوضح من أن يحتاج إلى كثير من الجدل…
فالعربية حاضرة في الإدارة، والقضاء، والتعليم، والإعلام، والخطاب الرسمي، والحياة العامة، وهي لغة قوية ومؤثرة ولا أحد ينازعها هذا الحضور…
بينما الأمازيغية، وبعد أكثر من عقد على ترسيمها لغة رسمية في دستور المملكة، ما تزال تنتظر تنزيلًا فعليًا وشاملًا للقانون التنظيمي، وما يزال حضورها في المدرسة والإدارة والقضاء والإعلام دون ما يقتضيه الدستور، ودون ما تستحقه لغة رسمية للبلاد…
لهذا أستغرب الخطاب الذي يوحي بأن الأمازيغية أصبحت خطرًا يهدد العربية… فمن يقرأ بعض هذه المقالات قد يظن أن العربية في طور الانقراض، وأن الأمازيغية استحوذت على مؤسسات الدولة، بينما الواقع يشهد بعكس ذلك تمامًا… فميزان القوة اللغوي والثقافي ما يزال يميل بشكل واضح إلى العربية، أما الأمازيغية فما تزال في موقع المطالبة بحقوقها الأساسية…
لقد جاء الدستور حاسما حين اعترف بالعربية والأمازيغية لغتين رسميتين للدولة… لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس إعادة فتح نقاش حسمه الدستور، وإنما احترام هذا الاختيار الديمقراطي، وترجمته إلى سياسات عمومية تجعل اللغة الأمازيغية حاضرة هي الأخرى، مناصفة، في المدرسة والإدارة والقضاء والإعلام والثقافة.
إن المساواة ليست امتيازًا، والإنصاف ليس تهديدًا للوحدة الوطنية… ثم إن الوحدة الحقيقية لا تُبنى على طمس أحد مكونات الهوية المغربية، ولا على مطالبة الأمازيغ بالصمت كلما دافعوا عن لغتهم، وإنما تُبنى على الاعتراف المتوازن بكل روافد الشخصية المغربية، وعلى الوفاء لروح الدستور ونصه…
أكتب هذه الكلمات لا لأنني أبحث عن انتصار هوية على أخرى، ولا لأنني أرى في العربية خصمًا للأمازيغية… أكتبها لأنني أمازيغي، ولأنني اخترت منذ سنوات أن أكتب وأنتج وأصور بلغتي الأم، إيمانًا مني بأن الدفاع عن لغة لا يكون بالشعارات، وإنما بالإبداع فيها ومن خلالها…
لم أختر هذا الطريق لأنه الأسهل، بل لأنه كان بالنسبة إلي واجبًا أخلاقيًا وثقافيًا…
لذلك، لا يمكنني أن أعتبر المطالبة بتنزيل الدستور، وتفعيل القانون التنظيمي، وتمكين الأمازيغية من مكانتها الطبيعية إلى جانب العربية، تطرفًا أو تهديدًا للوحدة الوطنية… بل أعتبر ذلك وفاءً لفكرة المغرب كما نص عليها دستوره، وكما يليق بتاريخ هذا البلد وتعدده…
إنني لا أدافع عن امتياز، وإنما عن عدالة…
ولا أطالب بإقصاء لغة، وإنما بإنصاف لغة أخرى…
لأن الأوطان لا تُبنى بإضعاف أحد مكوناتها، وإنما بالاعتراف بها جميعًا…
ويبقى السؤال الحقيقي الذي يستحق أن يطرحه كل واحد منا هو:
لماذا، بعد أكثر من عقد على ترسيم الأمازيغية لغةً رسمية، ما زلنا نناقش حقها في الحضور، بدل أن نناقش جودة حضوره؟…
ولماذا يتحول المدافع عن تطبيق الدستور إلى متهم، بينما لا يُسأل أحد عن أسباب التأخر في تطبيقه؟…
حين نجيب بصدق عن هذا السؤال…
سنكون قد اقتربنا خطوة من بناء مغرب أكثر عدلًا مع تاريخه…
وأكثر وفاءً لدستوره…
وأكثر إنصافًا لجميع أبنائه…







