” ريف رس ” 21 يوليوز 2026
بقلم : نبيلة هادفي
حين يقف الصحفي أمام المحكمة بسبب كلمة كتبها، بدل أن يقف الفاسد أمامها بسبب فعل ارتكبه، يصبح السؤال أكبر من قضية فردية. يصبح السؤال عن علاقة السلطة بالحقيقة، وعن مدى استعداد المؤسسات لتحمل ضوء الصحافة عندما تكشف ما يفضّل البعض أن يبقى في الظل.
فالقضية لا تتعلق فقط بصحفي أو مقال أو حكم قضائي، بل تتعلق بمكانة الكلمة في المجتمع، وبقدرة الصحافة على أداء دورها في كشف الاختلالات وطرح الأسئلة التي قد لا يرغب البعض في سماعها. فالصحافة ليست سلطة فوق القانون، لكنها أيضًا ليست جريمة لمجرد أنها تنتقد أو تكشف أو تفتح ملفات حساسة.
القضاء والصحافة ليسا عدوين في الأصل، فالقضاء يحمي الحقوق ويطبق القانون، والصحافة تبحث عن الحقيقة وتنقل انشغالات الناس. لكن الصراع يبدأ عندما تتحول العلاقة بينهما إلى مواجهة، وعندما يشعر الصحفي أن قلمه قد يقوده إلى قفص الاتهام بدل أن يقود المسؤول عن التجاوزات إلى المساءلة.
إن اللجوء إلى القانون الجنائي في قضايا النشر يفتح نقاشًا عميقًا حول الحدود بين حماية حقوق الأفراد والمؤسسات، وبين حماية حرية التعبير وحق المجتمع في المعرفة. فقانون الصحافة وُضع لتنظيم المهنة وضبط مسؤولياتها، أما تحويل كل نقد أو تحقيق صحفي إلى قضية جنائية فقد يخلق مناخًا من الخوف يجعل الصحفي يفكر في عواقب الكتابة أكثر مما يفكر في واجبه تجاه الحقيقة.
الصحافة الحرة ليست خطرًا على العدالة، بل يمكن أن تكون عينًا تساعدها على رؤية ما قد لا يصل إلى قاعات المحاكم. فالصحفي لا يصدر أحكامًا، ولا يملك سلطة العقاب، لكنه يملك حق السؤال والبحث والكشف. والمجتمعات التي تحترم نفسها لا تخاف من الأسئلة، لأن الحقيقة لا تهدم المؤسسات القوية، بل تجعلها أكثر قوة وثقة.
عندما تصدر أحكام مجحفة في حق الأقلام الحرة التي تمارس حقها في نقل الخبر والدفاع عن حق الجمهور في المعرفة، فإن الأمر لا يبقى مجرد خلاف قانوني حول مقال أو تصريح، بل يتحول إلى سؤال أكبر حول وظيفة العدالة ودورها في حماية التوازن بين الحقوق والحريات.
فحين يجد الصحفي نفسه في مواجهة العقاب بسبب كشفه لقضايا تهم المجتمع، يبدو وكان القضاء يحاول حماية المفسدين والمحتالين والنصابين ، وبالتالي يخلق ذلك شعورًا مؤلمًا لدى الرأي العام بأن ميزان العدالة لم يعد يقف في المكان الصحيح. وعندما تُستخدم سلطة القانون لإسكات الأصوات التي تكشف التجاوزات بدل حماية المجتمع منها، يصبح القضاء ــ في نظر المتضررين ــ جزءًا من المشكلة بدل أن يكون طريقًا للحل.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول القانون من وسيلة لتحقيق العدالة إلى أداة تخويف تمنع الصحفي من أداء دوره. فالمجتمع لا يحتاج إلى قضاء يحمي الصمت، بل إلى قضاء يحمي الحقيقة، لأن الصحافة التي تكشف الخلل لا ينبغي أن تُعامل كعدو، بل كصوت يلفت الانتباه إلى ما يحتاج إلى إصلاح.
إن المؤسسات التي تثق في عدالتها لا تخشى الضوء، ولا تخاف من النقد، لأن النقد ليس إهانة بالضرورة، بل قد يكون فرصة للتصحيح والإصلاح. أما الخوف من الصحافة ومحاولة التضييق عليها، فهو يطرح سؤالًا مؤلمًا، هل المشكلة في الصحفي الذي يطرح الأسئلة، أم في الحقيقة التي تكشفها هذه الأسئلة؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس وجود صحافة تنتقد، بل غياب صحافة قادرة على السؤال. فحين يصمت القلم خوفًا، لا يخسر الصحفي وحده، بل يخسر المجتمع وسيلة من وسائل حماية نفسه.
في النهاية، لا تحتاج العدالة إلى جدران تمنع عنها الأصوات، ولا تحتاج الصحافة إلى تجاوز حدود المسؤولية. ما يحتاجه الطرفان هو احترام متبادل: قضاء يقبل النقد ويحمي الحق، وصحافة تبحث عن الحقيقة دون أن تتخلى عن المهنية.
فالحقيقة لا تخاف من العدالة، والعدالة الحقيقية لا تخاف من الحقيقة.






