” ريف رس” 10 يوليوز 2026
بقلم عبد السلام عبد النبي ابن شهيد حرب الصحراء المغربية
في كل مرة تفتتح فيها طريق سيار جديدة أو يدشن مشروع تنموي كبير أو ترتفع بناية حديثة في إحدى مدن المملكة يتجدد شعور المغاربة بالفخر بما تحقق من منجزات جعلت المغرب يخطو بثبات نحو المستقبل .
غير أن خلف هذه الصورة المشرقة تختبئ حكايات أخرى أقل ظهورا في الإعلام و أشد حضورا في الوجدان حكايات أسر فقدت آباءها و أبناءها في سبيل الوطن ثم وجدت نفسها مع مرور الزمن تكافح ضد النسيان أكثر مما تكافح ضد الفقر أو الحاجة .
لقد قدم شهداء حرب الصحراء المغربية أرواحهم في مرحلة مفصلية من تاريخ المملكة ، خرجوا إلى ساحات المواجهة مؤمنين بأن الدفاع عن الوحدة الوطنية واجب مقدس لا يقبل التردد أو الحسابات الشخصية بعضهم عاد محمولا على الأكتاف و بعضهم عاد اسما محفورا على شاهد قبر لكنهم جميعا تركوا وراءهم أرامل و أطفالا و عائلات علقت آمالها على وطن اعتقدت أنه لن ينسى أبناءه .
مرت السنوات و تعاقبت الحكومات و المسؤولون و تغيرت الظروف السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية بينما بقيت أسئلة كثيرة معلقة دون أجوبة شافية ماذا تحقق فعليا لأبناء الشهداء ؟
و أين وصلت ملفاتهم الاجتماعية ؟
و هل يرقى ما حصلوا عليه إلى حجم التضحيات التي قدمها آباؤهم ؟
المفارقة المؤلمة أن أبناء كثير من الشهداء لم يعودوا أولئك الأطفال الذين كانت الدولة تعدهم بمستقبل أفضل لقد شابت رؤوسهم و كبر أبناؤهم و بعضهم دخل مرحلة التقاعد أو اقترب منها وما زالوا ينتظرون تسوية ملفات أو تنفيذ حقوق أو الحصول على تعويضات رمزية تعبر عن الامتنان الوطني لتضحيات ٱبائهم و ذويهم .
إن القضية لم تعد قضية مساعدات مادية فقط بل أصبحت قضية ذاكرة وطنية و عدالة معنوية فالأمم العظيمة لا تبنى بالإسمنت و الحديد وحدهما بل تبنى أيضا بالوفاء لمن دفعوا ثمن بقائها و استقرارها .
لقد شهد المغرب خلال العقود الأخيرة نهضة عمرانية و اقتصادية لافتة و أصبح نموذجا في العديد من الأوراش الكبرى لكن أي نهضة تظل ناقصة إذا لم تمتد آثارها إلى الفئات التي قدمت أغلى ما تملك من أجل أن تنعم البلاد بالأمن و الاستقرار و التنمية .
إن أبناء الشهداء لا يطلبون المستحيل و لا ينازعون أحدا في حقوقه و لا يرفضون تكريم أي فئة أخرى من أبناء الوطن كل ما يطلبونه هو أن يجدوا لأنفسهم مكانا في ذاكرة الدولة و ضمير مؤسساتها و أن يشعروا بأن تضحيات آبائهم لم تتحول مع مرور الزمن إلى مجرد صفحات مطوية في أرشيف التاريخ .
فحين يشيخ أبناء الشهداء وهم ينتظرون الإنصاف يصبح السؤال موجها إلينا جميعا :
هل أوفينا حقا لمن صنعوا بدمائهم جزءا من تاريخ هذا الوطن ؟
رحم الله شهداء المغرب كافة و جعل الوفاء لهم و لأسرهم التزاما وطنيا لا يسقط بالتقادم و لا تذروه رياح النسيان .






