” ريف رس” 4 ماي 2026
عبد الحميد الشهبوني
في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي تصنع جزءًا كبيرًا من أفكار الناس وأذواقهم وتصوراتهم عن النجاح والحياة، بات من الضروري أن نتوقف لطرح سؤال جوهري: كيف نحمي أبناءنا وشبابنا من الفراغ الفكري والاستهلاك السلبي للمحتوى الرقمي؟ وكيف يمكن لمدينتنا أن تساهم في بناء وعي متوازن يفتح أمام الأجيال آفاق المعرفة والإبداع والانتماء الحقيقي للمجتمع؟
إن المتأمل في واقع الشباب بمدينة الناظور يلاحظ أن جزءًا مهمًا من الحياة اليومية أصبح مرتبطًا بالشاشات والمنصات الرقمية، حيث يتعرض الأطفال والشباب بشكل مستمر لمحتويات سريعة ومثيرة تؤثر في طريقة تفكيرهم وطموحاتهم وعلاقتهم بأنفسهم وبمجتمعهم. ومع غياب فضاءات ثقافية وتربوية كافية، يجد كثير من الشباب أنفسهم أمام عالم رقمي مفتوح يوجه اهتماماتهم دون تأطير أو مواكبة.
ولا يتعلق الأمر برفض التكنولوجيا أو معاداة وسائل التواصل، فهي أدوات يمكن أن تكون نافعة ومفيدة إذا استُعملت بوعي. لكن الإشكال الحقيقي يكمن في غياب مشروع تربوي وثقافي محلي قادر على موازنة هذا التأثير، وخلق بدائل واقعية تمنح الشباب فرصًا للتعلم والتعبير واكتشاف الذات.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى رؤية جماعية تجعل الاستثمار في الإنسان أولوية لا تقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية والعمران. فالمجتمعات لا تنهض بالإسمنت وحده، بل بالإنسان الواعي القادر على التفكير والإبداع والمشاركة الإيجابية في بناء مجتمعه.
ولتحقيق ذلك، ينبغي أن تنخرط مختلف الفعاليات في المدينة في مشروع تربوي وثقافي متكامل، تشارك فيه الجماعات المحلية، والجامعة، والمدارس، والجمعيات، والمثقفون، والأسر، ووسائل الإعلام المحلية.
ومن بين الخطوات العملية التي يمكن أن تشكل بداية حقيقية لهذا المسار:
أولًا، المطالبة بإحداث مكتبة عمومية حديثة ومفتوحة للجميع، تكون فضاءً للقراءة والتعلم والحوار والأنشطة الثقافية، خاصة في ظل الحاجة المتزايدة إلى أماكن تحتضن الطاقات الشابة وتشجع على المعرفة.
ثانيًا، إعادة تنشيط دور الشباب والثقافة، وتوفير برامج منتظمة داخلها تشمل الورشات الفنية، والأنشطة الفكرية، والتكوينات المهارية، واللقاءات التربوية، حتى تستعيد هذه المؤسسات دورها الطبيعي في التأطير والتوجيه.
ثالثًا، تنظيم رحلات ترفيهية هادفة وتثقيفية وعلمية للأطفال والشباب، لأن التربية لا تتحقق داخل الفصول الدراسية فقط، بل كذلك عبر الاحتكاك بالطبيعة، واكتشاف التاريخ، وزيارة المؤسسات العلمية والثقافية، وتنمية روح الجماعة والانفتاح.
رابعًا، تشجيع المدارس والجامعة على تفعيل دورات تكوينية ومهارية موازية للتعليم التقليدي، تشمل مجالات التفكير النقدي، والتكنولوجيا، واللغات، والتواصل، والفنون، وريادة الأعمال، بما يساعد الشباب على تطوير قدراتهم والاستعداد لمتطلبات المستقبل.
خامسًا، إعادة الاعتبار لمسرح الطفل الهادف، لما له من دور تربوي وثقافي مهم في تنمية الخيال واللغة والثقة بالنفس والقيم الإنسانية لدى الأطفال.
غير أن أي مشروع جاد يحتاج إلى معرفة علمية دقيقة بالواقع، ولذلك من الضروري القيام بدراسات ميدانية تشرف عليها أطر الجامعات والمدارس والمتخصصون في العلوم الاجتماعية والتربوية، من أجل فهم التحديات الحقيقية التي يعيشها الأطفال والشباب، واقتراح حلول مبنية على التشخيص العلمي لا على الانطباعات العابرة.
إن بناء الإنسان ليس مسؤولية جهة واحدة، بل هو مشروع مجتمع كامل. وحين تتعاون المؤسسات والفعاليات المحلية حول هدف مشترك، يمكن للناظور أن يتحول إلى نموذج محلي يجعل الثقافة والتربية والوعي جزءًا أساسيًا من التنمية.
فكما نحتاج إلى بناء الطرق والمرافق والبنايات، نحتاج أيضًا إلى بناء العقول والمهارات والقيم، لأن الإنسان الواعي هو أساس كل نهضة راقية ومستدامة.







