” ريف رس” 16 فبراير 2026
بقلم: جمال الغازي/ ألمانيا
في إحدى مقابلاته الإعلامية، أشار Barack Obama إلى تساؤلات تتعلق بوجود ظواهر لم يستطع العلم تفسيرها بشكل كامل، وهو ما أعاد فتح نقاش قديم متجدد حول طبيعة الواقع وحدود المعرفة الإنسانية. فهل نحن وحدنا في هذا العالم المادي، أم أن هناك عوالم أخرى تتقاطع مع عالمنا بطرق لا ندركها بعد؟
يقال لا دخان دون نار، وهذه العبارة تختصر جوهر القضية. عندما تتكرر الحكايات والتجارب عبر ثقافات مختلفة وأزمنة متباعدة، يصبح من الصعب تجاهلها تماما أو تصنيفها جميعا ضمن دائرة الخرافة دون بحث وتمحيص. هناك أشخاص من خلفيات علمية واجتماعية متنوعة تحدثوا عن تجارب عاشوها، يصفونها بأنها تواصل مع عالم آخر أو احتكاك بما يعرف بعالم الارواح. اللافت أن بعض هذه الروايات تتشابه في تفاصيلها رغم اختلاف البيئات، مما يثير تساؤلات حقيقية حول طبيعة الوعي وحدود الإدراك البشري.
في المقابل، يتبنى الاتجاه العلمي الصارم موقفا حذرا، ويرى أن ما لا يخضع للتجربة والقياس لا يمكن اعتباره حقيقة موضوعية. هذا الموقف مفهوم من حيث المنهج، لكن العلم نفسه في تطور مستمر، وكثير من الظواهر التي كانت في زمن ما غير قابلة للتفسير أصبحت لاحقا مفهومة بفضل تقدم الادوات والمعرفة. لذلك فإن الرفض المطلق لا يقل تعسفا عن القبول المطلق، وكلاهما يبتعد عن روح البحث المتوازن.
المشكلة أن بعض من يتبنون فكرا تقدميا أو علميا يتجاهلون هذا النوع من القضايا عمدا خشية أن يتعارض مع تصوراتهم المسبقة. غير أن الواقع يبين أننا لسنا بالضرورة وحدنا في هذا الوجود، وأن هناك ابعادا قد لا تكون خاضعة لحواسنا المباشرة. الانفتاح على التساؤل لا يعني التخلي عن العقل، بل على العكس، هو دليل على استخدامه بصورة اشمل.
من منظور ايماني، فإن الايمان بوجود عوالم غير مرئية لا يتناقض مع العقل، بل ينسجم مع فكرة محدودية المعرفة البشرية. الاعتراف بوجود الغيب يعكس ايمانا بعظمة الخالق سبحانه وقدرته، ويمنح الانسان تواضعا امام اتساع الكون وتعقيده. فليس كل ما لا نراه غير موجود، وليس كل ما نعجز عن تفسيره باطلا.
يبقى هذا الموضوع مجالا يستحق النقاش والاهتمام، بعيدا عن السخرية او الانكار المسبق. وربما يكون الاعتراف بحدود معرفتنا خطوة اولى نحو فهم اعمق لما يحيط بنا.
حتى انا لدي حكاية شخصية مع هذا العالم، لكنني لا استطيع روايتها، لانني اعلم مسبقا ان لا احد سيصدقها.






