” ريف رس ” 28 يناير 2026
بقلم: جمال الغازي/ ألمانيا
عرف المغرب قبل وبعد الاستقلال اشكالا متعددة من التنظيم الاجتماعي والسياسي، كان في مقدمتها نظام الزوايا، الذي لعب دورا محوريا في حفظ التوازن الاجتماعي والروحي، وفي تأطير الناس وحمايتهم من التفكك خلال فترات الاضطراب. وكما برز الحزب السياسي كاطار حديث، يفترض فيه ان يحمل مطالب المجتمع، ويؤطر المواطنين، ويقود مشروع الدولة الوطنية. غير ان مسار التجربتين كشف مفارقة لافتة، تتمثل في استمرار قوة الزاوية مقابل تراجع الحزب، رغم اختلاف السياق والوظيفة. هذه المقارنة لا تهدف الى تمجيد طرف او ادانة اخر، بل الى فهم اسباب القوة والضعف في كل تجربة.
لا تكمن قوة الزاوية فقط في بعدها الديني، بل اساسا في طبيعة تنظيمها الصارم والمحكم. فالزاوية تقوم على هرم واضح، تتركز فيه كل القرارات في يد الشيخ، ما يمنحها وحدة في الرؤية وسرعة في الحسم. ويحيط الشيخ بهالة من القداسة، تقترب في وعي المريدين من العصمة، وهو ما يعزز الطاعة والانضباط، ويحد من الصراعات الداخلية.
كما تعتمد الزاوية على جلسات تربوية وتكوينية منتظمة، لا تقتصر على الوعظ، بل تسهم في بناء شخصية المريد وربطه بالجماعة فكريا وسلوكيا. وتنسج الزاوية روابط اجتماعية قوية، قوامها التضامن والتكافل، ويحتل الكرم مكانة مركزية فيها، باعتباره ممارسة يومية لا مجرد قيمة نظرية.
هذا البناء التنظيمي والروحي يرسخ ايمانا عميقا لدى الافراد، ايمانا يدفعهم الى التضحية وبذل الجهد دون انتظار مقابل مادي مباشر، في سبيل كسب الاجر وتحقيق الامل، سواء امل الخلاص الفردي او الاستقرار الجماعي.
في المقابل، عرف الحزب السياسي المغربي مسارا من التراجع، حيث طغت المصالح الشخصية على العمل الجماعي، وتحول في كثير من الحالات الى وسيلة للترقي الاجتماعي بدل كونه اداة لخدمة الصالح العام. واصبح التركيز على الريع والامتيازات اقوى من الالتزام بقضايا المجتمع، ما افرغ الخطاب الحزبي من مضمونه ومصداقيته.
كما ابتعدت الاحزاب عن التكوين السياسي الحقيقي وعن الجلسات الدورية التي تصنع المناضلين، واعتمدت بدل ذلك على الاعيان وشبكات النفوذ، لا على القواعد المؤمنة بالمشروع. هذا التوجه اضعف التنظيم الداخلي، وجعله اقل انضباطا وشفافية، وفتح المجال امام الصراعات والانشقاقات.
والاخطر من ذلك هو تآكل الايمان بافكار الحزب نفسها، حيث حلت الانتهازية محل التضحية، وحل الياس محل الامل، وفشل الحزب في خلق بديل مقنع او افق جماعي، ما جعله عاجزا عن لعب دوره كوسيط حقيقي بين الدولة والمجتمع.
تكشف المقارنة بين الزاوية والحزب في المغرب ان القوة لا ترتبط بطبيعة الخطاب، دينيا كان او سياسيا، بقدر ما ترتبط بتماسك التنظيم، ووضوح القيادة، وعمق الايمان الجماعي بالمشروع. فقد نجحت الزاوية في الحفاظ على حضورها لانها خاطبت الانسان في قيمه وحاجته الى المعنى والانتماء، بينما تعثر الحزب لانه فقد بوصلته النضالية ،الاخلاقية والتنظيمية. وبين زاوية تنتج الامل وحزب يتخبط في الياس، يظل السؤال مفتوحا: هل يمكن للعمل السياسي ان يستلهم بعض دروس الزاوية في الالتزام والتكوين والتضحية، ام ان ازمة الحزب اعمق من ان تعالج بمجرد اصلاح شكلي؟







