” ريف رس” 24 يناير 2026
جمال الغازي يكتب..
لم يعد الحديث عن الناظور مجرد طموح جهوي أو مشروع مستقبلي مؤجل، بل أصبح اليوم واقعا يتشكل على الأرض مع اقتراب تشغيل ميناء Nador West Med، أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية في المغرب. غير أن السؤال الجوهري لم يعد مرتبطا بحجم الميناء أو عمقه البحري، بل بنوعية الخيارات الاقتصادية التي ستُبنى حوله.
فالمغرب، من خلال هذا المشروع، يضع الجهة الشرقية أمام فرصة تاريخية نادرة. موقع جغرافي استثنائي، قرب مباشر من أوروبا، عمق بحري طبيعي، وبنية تحتية لوجستية وصناعية قيد الاكتمال… كلها عناصر تجعل من الناظور مرشحة لأن تكون أكثر من مجرد نقطة عبور تجاري.
لكن التجارب الدولية أثبتت أن الموانئ لا تصنع التنمية لوحدها. ما يصنع الفارق هو ما يُقام حولها من صناعات، وما تستقطبه من استثمارات، وما تنتجه من قيمة مضافة وفرص شغل. وهنا يبرز الرهان الحقيقي: هل ستتحول الناظور إلى منصة لوجستية محدودة، أم إلى قطب صناعي وتكنولوجي متكامل؟
في هذا السياق، يطرح خيار فتح الباب أمام الاستثمارات الصينية في مجالي الصناعة والتكنولوجيا كإمكانية واقعية تستحق النقاش، بعيدا عن الأحكام المسبقة. فالصين اليوم ليست فقط “مصنع العالم”، بل فاعل رئيسي في التكنولوجيا المتقدمة، والطاقات المتجددة، والصناعات الذكية. حضورها في الناظور، إذا ما تم في إطار شراكات متوازنة وواضحة، يمكن أن يشكل رافعة حقيقية لنقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة ودمج المنطقة في سلاسل القيمة العالمية.
إن استقطاب استثمارات صناعية صينية موجهة للتصدير نحو أوروبا وإفريقيا قد يمنح الناظور دفعة نوعية، ويحوّلها إلى مركز إنتاج لا مجرد نقطة عبور. كما أن هذا الحضور من شأنه أن يعزز جاذبية المنطقة لاستثمارات دولية أخرى، ويخلق دينامية اقتصادية تنافسية جديدة طال انتظارها في الجهة الشرقية.
غير أن هذا الرهان يظل مشروطا بوضوح الرؤية وحسن التدبير. ففتح الأبواب للاستثمار الأجنبي يجب أن يوازيه حرص على حماية المصلحة الوطنية، وضمان نقل المعرفة، وتكوين الكفاءات المحلية، وربط التنمية الاقتصادية بالتنمية الاجتماعية والبيئية.
اليوم، تقف الناظور على مفترق طرق حاسم. إما أن تُستثمر هذه الفرصة التاريخية لبناء قطب اقتصادي دولي متكامل، أو أن يُختزل المشروع في أرقام الموانئ وحركة السفن. والاختيار، في النهاية، ليس تقنيا فقط، بل سياسي واستراتيجي بامتياز.







