” ريف رس ” 15 اكتوبر 2026
لم يكن تسليم “ناصر الدين . ط” المعروف بلقب «الناظوري»، من الإمارات إلى بلجيكا في أكتوبر الجاري مجرد تطور أمني في ملف مرتبط بالاتجار الدولي بالكوكايين، بل محطة جديدة في قضية تثير أسئلة أوسع بشأن الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وقدرة السلطات على تتبع الأموال والأصول المرتبطة بها.
وتعود بداية هه القضية ، إلى الصيف الماضي، حين تناولت وسائل إعلام خبر توقيف الاخير في دبي، قبل أن يعود اسمه إلى الواجهة مع الإعلان عن تسليمه إلى بلجيكا. وكانت «ريف رس» نشرت في 3 غشت 2026 الخبر تحت عنوان «شرطة دبي تطيح بـ”الناظوري”.. أحد أبرز المطلوبين لبلجيكا في قضايا تهريب الكوكايين»، تناولت فيها خبر اعتقاله وخلفيات ملاحقته من طرف القضاء البلجيكي. وتتيح العودة إلى هذه التغطية ربط التطور الأخير بما سبق نشره، بدل التعامل مع التسليم باعتباره واقعة منفصلة عن سياقها.
وتشير تقارير إعلامية بلجيكية إلى أن المحكمة أصدرت في ماي 2026 حكماً غيابياً بسجن الموقوف 12 سنة، وغرامة قدرها 96 ألف يورو، مع مصادرة أموال بقيمة خمسة ملايين يورو، في قضية مرتبطة باستيراد ما لا يقل عن 840 كيلوغراماً من الكوكايين سنة 2020. كما ارتبط اسمه بملف قضائي آخر صدر فيه حكم بالسجن خمس سنوات، مع بقاء الآثار القانونية للأحكام الغيابية خاضعة للإجراءات التي يتيحها القانون البلجيكي.
غير أن الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في القضية يتجاوز الأحكام والعقوبات إلى المعطيات المتعلقة بالثروة. فقد أورد تحقيق استقصائي نشرته شبكة OCCRP وشركاؤها أن الموقوف اشترى ستة عقارات في دبي بين عامي 2019 و2021، باستثمارات بلغت نحو 6.2 ملايين دولار، قبل بيعها لاحقاً. وأشار التحقيق إلى أن ثلاثة من هذه العقارات بيعت مقابل 6.6 ملايين دولار، بعدما اقتُنيت بمبلغ إجمالي بلغ 3.8 ملايين دولار.
ولا تثبت هذه الأرقام، بمفردها، أن الأموال المستخدمة في شراء العقارات أو الأرباح الناتجة عن بيعها متحصلة من أنشطة غير مشروعة، لكنها تفتح سؤالاً أساسياً حول مسار الأموال ومدى قدرة التحقيقات على تحديد مصادرها. فالوصول إلى شخص مطلوب لا يعني بالضرورة الوصول إلى ثروته، كما أن صدور حكم بمصادرة أموال لا يعني تلقائياً أن تلك الأموال قد استُعيدت فعلياً.
وهنا تكمن إحدى أبرز تحديات مكافحة الجريمة المنظمة ، فبين توقيف الأشخاص وتتبع الأصول مسارات قانونية ومالية معقدة، تتطلب تحديد الملكية الفعلية، والتحقق من مصدر الأموال، والتعاون بين السلطات في الدول المعنية. ولذلك، فإن نجاح عملية التسليم لا يمثل نهاية القضية، بل بداية مرحلة جديدة يُفترض أن تكشف ما إذا كانت الملاحقة ستتجاوز الأشخاص إلى الأموال التي يثبت قانوناً ارتباطها بالجرائم.
كما تبرز القضية أهمية التحقيقات الرقمية والمالية في تفكيك الشبكات العابرة للحدود، خصوصاً في ملفات ترتبط بميناء أنتويرب، أحد المراكز الكبرى للتجارة الأوروبية. فمكافحة هذه الشبكات لا تتوقف عند ضبط شحنات المخدرات أو توقيف الأسماء البارزة، بل تتطلب فهم العلاقات التي تربط النقل والتمويل والتوزيع، وتتبع العائدات المالية وفق الأدلة والقواعد القضائية.
وتشير المعطيات المرتبطة بالقضية،إلى أن الموقوف يُشتبه في ارتباطه بشبكة دولية لتهريب المخدرات، كانت تنشط في إدخال كميات كبيرة من الكوكايين انطلاقاً من دول بأمريكا اللاتينية، عبر إخفائها داخل حاويات السلع التجارية التي تصل إلى ميناء أنتويرب البلجيكي. وتسلط هذه المعطيات الضوء على الامتدادات الدولية المحتملة لهذا النشاط، وعلى الأساليب التي تعتمدها شبكات التهريب لاستغلال حركة التجارة البحرية في نقل المخدرات عبر الحدود
إن تسليم الناظوري إلى بلجيكا يعيد طرح سؤال يتجاوز تفاصيل الخبر، هل تنجح السلطات في استكمال التحقيقات وتحديد مصير الأصول التي تناولتها التقارير الصحفية؟ وهل يتحول التعاون الدولي من مجرد تسليم المطلوبين إلى آلية فعالة لتنفيذ الأحكام واستعادة الأموال التي تثبت صلتها بالجريمة؟.







