” ريف رس ” 16 أكتوبر 2026
أعاد الوضع البيئي الذي تعيشه بعض شوارع وأحياء مدينة الناظور، في ظل انتشار النفايات وانبعاث الروائح الكريهة، النقاش حول جودة خدمات النظافة وتدبير النفايات المنزلية، ومدى قدرة التدبير الحالي على الاستجابة لانتظارات الساكنة، في مقابل طرح بدائل تقوم على تشجيع الاستثمار المحلي وإحداث مقاولات تنطلق من حاجيات المدينة.
وفي هذا السياق، يطرح تساؤل حول جدوى استمرار الاعتماد على شركة قادمة من الدار البيضاء لتدبير قطاع النظافة بالناظور، وما إذا كان بالإمكان فتح المجال أمام مبادرات استثمارية محلية قادرة على تقديم خدمات تستجيب لخصوصيات المدينة وانتظارات سكانها.
ولا يقتصر تدبير قطاع النظافة على جمع النفايات المنزلية ونقلها إلى الأماكن المخصصة لذلك، بل يشمل، بحسب طبيعة الالتزامات التعاقدية، خدمات أخرى من قبيل جمع النفايات الخضراء، وتنظيف الشوارع والساحات العمومية، وغسل الحاويات والطرقات، إلى جانب فرز النفايات وبعض خدمات التطهير المرتبطة بالقطاع.
غير أن مظاهر تراكم الأزبال وانتشار الروائح الكريهة في بعض النقاط تثير تساؤلات حول مدى انتظام هذه الخدمات وفعاليتها، ومدى احترام الالتزامات المرتبطة بتدبير القطاع، بما يستدعي تقييماً موضوعياً لجودة الأداء، استناداً إلى دفتر التحملات والمؤشرات الفعلية لجودة النظافة في مختلف أحياء المدينة.
ومن بين المعطيات التي تستحق النقاش، الميزانية السنوية التي يشير إليها صاحب الطرح، والمقدرة بنحو 39 مليون درهم، والمخصصة لجمع النفايات وتدبير خدمات النظافة. وهو مبلغ يطرح، في حال تأكيده من خلال المعطيات الرسمية والعقد المعتمد، سؤالا أساسيا حول مستوى الخدمة المقدمة مقابل الكلفة التي تتحملها الجماعة.
فالمواطن لا يقيس نجاح تدبير النظافة بالأرقام المضمنة في الميزانيات أو العقود وحدها، بل بما يلمسه يوميا في محيطه: شوارع نظيفة، وحاويات يتم تفريغها بانتظام، ونفايات لا تتحول إلى مصدر للروائح الكريهة، وفضاءات عمومية تحفظ كرامة السكان وتحترم حقهم في بيئة سليمة.
ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري تعزيز آليات المراقبة والتتبع، والتأكد من مدى احترام الشركة المفوض لها تدبير القطاع لالتزاماتها، مع ترتيب الآثار القانونية والتعاقدية اللازمة عند ثبوت أي إخلال.
وبعيدا عن تشخيص الاختلالات، يطرح النقاش فكرة تشجيع رجال الأعمال والمستثمرين المحليين على دخول قطاع تدبير النفايات، بدل تركيز جزء كبير من الاستثمارات على المقاهي والمطاعم والعقارات.
فمدينة الناظور تتوفر على نسيج من التجار والمقاولين وأصحاب رؤوس الأموال، ويمكن أن يشكل تنويع استثماراتهم نحو قطاعات الخدمات البيئية فرصة لخلق قيمة مضافة محلية، وإحداث فرص للشغل، وتطوير خبرات مهنية وتقنية في مجال يحتاج إلى تنظيم وتخطيط واستثمارات مستدامة.
ومن هنا تبرز فكرة إحداث شركة محلية تحمل اسماً من قبيل «ناضور تيكنيك»، تتخصص في جمع النفايات وتدبير خدمات النظافة، وتنافس وفق الشروط القانونية والتقنية والمالية المعمول بها، سواء في إطار طلبات العروض أو غيرها من الصيغ القانونية المتاحة.
غير أن نجاح مثل هذه المبادرة لا يرتبط فقط بكون الشركة محلية، بل بمدى توفرها على الكفاءة المهنية، والموارد البشرية المؤهلة، والآليات والمعدات اللازمة، والقدرة على احترام الالتزامات التعاقدية وتقديم خدمة جيدة بتكلفة معقولة. فالقرب من المدينة قد يعزز الإحساس بالمسؤولية، لكنه يحتاج إلى حكامة جيدة ومحاسبة واضحة لضمان النتائج.
إن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط باسم الشركة التي تتولى جمع النفايات، أو بالمدينة التي تنحدر منها، بل بمدى قدرة منظومة التدبير برمتها على ضمان نظافة الأحياء والشوارع والفضاءات العمومية.
فالجماعة مطالبة بتتبع تنفيذ عقد التدبير ومراقبة جودة الخدمات، والشركة ملزمة باحترام تعهداتها، فيما يمكن للمستثمرين المحليين المساهمة في تقديم بدائل تنافسية، شريطة الالتزام بقواعد الشفافية وتكافؤ الفرص.
كما أن تحسين الوضع البيئي يقتضي إشراك المواطنين في الحفاظ على نظافة محيطهم، وتعزيز عمليات التحسيس، وتوفير الحاويات الكافية، وتطوير آليات جمع النفايات وفرزها وتثمينها، بما يحد من التلوث ويجعل النظافة جزءاً من سياسة محلية مستدامة.
وفي المحصلة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه على الفاعلين المحليين هو: لماذا لا تتحول حاجيات الناظور البيئية إلى فرصة للاستثمار وخلق فرص الشغل، بدل أن تظل المدينة منشغلة بتدبير أزمة النفايات وتداعياتها؟
إن فكرة “ناضور تيكنيك” تستحق النقاش باعتبارها مقترحا لتشجيع الاستثمار المحلي، لكن الأهم هو الانتقال من تبادل الانتقادات إلى تقييم شفاف للخدمات الحالية، وفتح المجال أمام حلول عملية تجعل نظافة الناظور مسؤولية مؤسساتية واضحة، وفرصة تنموية يستفيد منها أبناء المدينة وساكنتها.







