” ريف رس ” 3 شتنبر 2026
في الناظور، يبدو أن بعض المسؤولين قد أتقنوا فناً إدارياً جديداً يمكن تسميته بـ«الدبلوماسية بلا نتائج». والحديث هنا لا يقتصر على قطاع دون آخر، ولا على إدارة بعينها، بل يشمل، وفق ما يلمسه المواطنون في حياتهم اليومية، عدداً من المسؤولين في أجهزة الأمن، والسلطة المحلية، والمصالح الجماعية، والمؤسسات والإدارات العمومية المختلفة. تدخل إلى مكتب المسؤول حاملاً شكواك، فتجد استقبالاً محترماً، وابتسامة هادئة، واستماعاً باهتمام، وعبارات مطمئنة من قبيل: «لا تقلق»، و«سنتابع الموضوع»، و«سنعمل على حل المشكلة»، و«الأمور ستتحسن قريباً». تخرج من المكتب وأنت تكاد تصدق أنك شاركت للتو في اجتماع تاريخي سيغيّر وجه الناظور إلى الأبد.
وفي مخيلتك، تبدأ المدينة في التحول بين عشية وضحاها. النفايات ستختفي، والكلاب الضالة ستعلن التقاعد، والملك العمومي سيعود إلى أصحابه، والمشاكل الإدارية ستجد طريقها إلى الحل، وكل ملف عالق سيجد طريقه أخيراً إلى نهاية سعيدة. وربما تستيقظ الناظور في صباح اليوم التالي وقد أصبحت مدينة فاضلة، فقط لأنك حظيت باستقبال جيد وسمعت كلمات مطمئنة من أحد المسؤولين!.
لكن ما إن تغادر المكتب حتى يبدأ الواقع في تبريد حماسك. يمر يوم، ثم يوم آخر، ثم أسبوع، ثم شهر، فتعود إلى الشارع نفسه، فتجد النفايات في مكانها، والكلاب الضالة تمارس جولاتها كأنها لم تسمع شيئاً عن الوعود، والملك العمومي ما زال يعيش حالة من «الاحتلال المفتوح»، والمشاكل نفسها تواصل حياتها الطبيعية وكأنها لم تمر أصلاً على مكتب المسؤول.
وهنا يكتشف المواطن أن هناك فرقاً شاسعاً بين عبارة «سنتابع الموضوع» وعبارة «تم حل الموضوع». الأولى سهلة جداً ولا تكلف صاحبها سوى بضع كلمات وابتسامة، أما الثانية فتحتاج إلى عمل وتحرك وقرارات وتتبع ونتائج. ولعل الأولى أصبحت عند البعض أكثر راحة وأقل تكلفة!
والحديث عن هذه الظاهرة لا يعني أن كل المسؤولين سواء، ولا أن كل الإدارات مقصرة، فهناك بالتأكيد مسؤولون وموظفون يؤدون واجبهم بجدية ويتعاملون مع شكايات المواطنين بما يلزم من مسؤولية ، لكنهم قلة قليلة.و الإشكال يكمن في تلك الحالات التي يصبح فيها الاستماع إلى المواطن نهاية القصة، بدل أن يكون بدايتها.
في السلطة المحلية، قد يدخل المواطن حاملاً مشكلة مرتبطة بالشارع أو البناء أو احتلال الملك العمومي أو غير ذلك، فيجد آذاناً صاغية ووعوداً بالتدخل. وفي المصالح الجماعية والإدارات العمومية، قد تتكرر الحكاية نفسها مع ملفات مختلفة، استماع، تطمين، وعد بالمتابعة، ثم انتظار طويل لا يعرف المواطن نهايته.
أما في الجانب الأمني، فالأمر أكثر حساسية، لأن المواطن حين يبلغ عن واقعة أو جريمة أو أمر يثير مخاوفه، فإنه لا يبحث فقط عن شخص يستمع إليه، وإنما ينتظر أن يرى تفاعلاً فوريا يتناسب مع طبيعة البلاغ. قد يكون الاستماع إلى المواطن أمراً ضرورياً، وقد يكون التعامل مع كل بلاغ خاضعاً للإجراءات القانونية وتقدير الجهات المختصة، لكن ما يريده المواطن في النهاية هو أن يشعر بأن بلاغه لم يذهب سدى.
فعبارة «شكراً على الإخبار» جميلة ومهذبة، لكنها لا يمكن أن تكون دائماً نهاية المطاف. المواطن يريد أن يعرف، في حدود ما يسمح به القانون، هل تم اتخاذ الإجراءات اللازمة أم لا، وهل تحركت الجهات المختصة أم أن البلاغ دخل بدوره في عطلة إدارية مفتوحة؟
المفارقة أن المواطن في الناظور أصبح، من كثرة ما يسمع من العبارات الدبلوماسية، قادراً على توقع السيناريو قبل أن يبدأ. يدخل غاضباً، يشرح مشكلته، يستمع المسؤول باهتمام، يهز رأسه في اللحظات المناسبة، ثم تأتي الجملة السحرية، «سنتابع الموضوع». يخرج المواطن مرتاحاً، ويعود إلى منزله وهو يعتقد أن الحل أصبح قاب قوسين أو أدنى، ثم ينتظر.
يمر يوم، ثم أسبوع، ثم شهر، وغالبا شهورا، إلى أن يكتشف أن الشيء الوحيد الذي تحرك فعلاً هو عقارب الساعة!
والأطرف أن المواطن عندما يعود للاستفسار، قد يجد نفسه أمام نسخة جديدة من الجملة القديمة: «الملف قيد المعالجة»، أو «المصالح المختصة تتابع الموضوع»، أو «اصبر قليلاً». وهكذا يتحول المواطن من صاحب شكوى إلى صاحب اشتراك مفتوح في خدمة الانتظار!
أما المدينة، فتظل تنتظر بدورها. تنتظر حلولاً لمشاكل النفايات، ومعالجة ظاهرة الكلاب الضالة، وشقق الكراء ومقاهي الشيشة ووضع حد للفوضى المرتبطة بالملك العمومي، …الخ وتفاعلاً أكثر فعالية مع شكايات السكان، وتنسيقاً أفضل بين مختلف المصالح عندما تستدعي القضايا ذلك.
لكن الوعود، لحسن حظها، لا تتأخر أبداً عن الموعد!
وهنا لا يسعنا إلا أن نتساءل بسخرية، هل أصبحت عبارة «سنتابع الموضوع» منصباً إدارياً جديداً؟ وهل يكفي أن يستمع المسؤول إلى المواطن ويطمئنه حتى نعتبر المهمة قد أنجزت؟ وهل المطلوب من المواطن أن يحتفل بمجرد خروجه من المكتب بابتسامة وكلمات جميلة؟
لا أحد يطلب المستحيل من المسؤولين، ولا أحد ينتظر أن تُحل جميع مشاكل الناظور بين ليلة وضحاها. المطلوب فقط هو أن يكون هناك فرق واضح بين الاستماع إلى المشكلة والتعامل معها، وبين الوعد بالفعل وتنفيذ ذلك الوعد.
فالمسؤول في الأمن، والسلطة المحلية، والجماعة، والإدارة العمومية، وأي مؤسسة أخرى، لا تُقاس مسؤوليته بعدد المواطنين الذين استقبلهم، ولا بعدد العبارات الدبلوماسية التي قالها لهم، وإنما بما تحقق على أرض الواقع.
الناظور لا تحتاج إلى مزيد من الكلام المنمق، ولا إلى مسؤولين يتقنون فقط فن امتصاص غضب المواطنين. المدينة تحتاج إلى قرارات واضحة، وتدخل في الوقت المناسب، وتتبع حقيقياً، وتنسيق بين المصالح، ونتائج ملموسة يراها المواطن في الشارع، لا أن يسمع عنها داخل المكاتب.
فالمسؤولية ليست ابتسامة دبلوماسية، وليست وعداً مؤجلاً إلى أجل غير مسمى. المسؤولية هي أن تتحول الشكاية إلى إجراء، والإجراء إلى نتيجة، والنتيجة إلى واقع يلمسه المواطن.
أما أن تبقى المشاكل في الشوارع، والوعود في المكاتب، والملفات تتنقل بين الإدارات، وكل جهة تقول إن الأمر من اختصاص جهة أخرى، فهنا يصبح المواطن أمام مسلسل إداري طويل لا يعرف من كتبه ولا متى تنتهي حلقاته.
وعندها لا يسعنا إلا أن نرفع القبعة لهذا الإنجاز الإداري العظيم.
جعجعة كثيرة… وطحن قليل!
والناظور وأهلها يستحقون أكثر من ذلك بكثير. يستحقون مسؤولاً لا يكتفي بأن يقول للمواطن «لا تقلق»، وإنما يستطيع، في نهاية المطاف، أن يقول له: «لقد تم حل المشكلة».
لأن المدينة لا تُبنى بالوعود، والمشاكل لا تختفي بالابتسامات، والمواطن لا يحتاج إلى من يطمئنه بالكلام فقط، بل إلى من يتحمل مسؤوليته ويترجم الكلام إلى أفعال.







