” ريف رس ” 24 غشت 2026
تعيش مدينة بن قردان، جنوب شرقي تونس، على وقع حالة من الغضب والاحتقان عقب غرق قارب كان يقل نحو 15 مهاجراً غير نظامي، معظمهم من أبناء المنطقة، في حادثة أعادت إلى الواجهة واقع المدينة الاقتصادي والاجتماعي، وأثارت تساؤلات واسعة حول الأسباب التي تدفع شبابها إلى المخاطرة بحياتهم في البحر.
وأكد المتحدث باسم الإدارة العامة للحرس الوطني التونسي، حسام الدين الجبابلي، أن القارب غرق فجر السبت على بعد نحو 14 ميلاً بحرياً من سواحل مدينة جرجيس، مشيراً إلى إنقاذ أحد الركاب، بينما تواصل السلطات عمليات البحث عن بقية المفقودين.
وخلفت الحادثة موجة غضب في بن قردان، حيث خرج عدد من الشباب في احتجاجات رافقتها مواجهات مع قوات الأمن، التي استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين. وتركزت المطالب حول تحسين الأوضاع المعيشية وتوفير الخدمات الأساسية، إلى جانب الكشف عن ملابسات الحادث والتحقيق في أسبابه.
وأعادت الفاجعة النقاش حول التحولات التي شهدتها بن قردان خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد تراجع النشاط التجاري المرتبط بالحدود مع ليبيا، والذي شكل لسنوات أحد أبرز مصادر الرزق في المنطقة. ومع تغير الظروف الاقتصادية والسياسية في ليبيا، تراجعت الحركة التجارية والفرص التي كانت توفرها، دون أن تنجح المدينة في إيجاد بدائل تنموية قادرة على استيعاب احتياجات سكانها، وخاصة فئة الشباب.
وترى أصوات محلية أن الهجرة غير النظامية ليست سوى نتيجة لأزمة أعمق، تتمثل في البطالة والتهميش وضعف فرص العمل وانسداد الأفق أمام فئة واسعة من الشباب. وبحسب هذا الطرح، فإن مواجهة شبكات الهجرة وتشديد الرقابة على الحدود والبحر، رغم ضرورتها، لن تكون كافية ما لم تترافق مع سياسات تنموية تخلق فرصاً حقيقية داخل المدينة.
من جانبه، دعا حزب التكتل الديمقراطي إلى التعامل مع الحادث باعتباره مؤشراً على أزمة اجتماعية واقتصادية تتجاوز البعد الأمني، متسائلاً عن الأسباب التي تجعل بعض الشباب يرون في ركوب البحر خياراً أقل خطراً من الاستمرار في واقعهم الحالي.
وطالب سياسيون وحقوقيون السلطات بإعلان يوم حداد وطني وفتح تحقيق في الفاجعة، وسط دعوات إلى معالجة الأسباب التي تقف وراء تصاعد الهجرة غير النظامية، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.
وبينما تستمر عمليات البحث عن المفقودين، تحولت مأساة القارب إلى مرآة تعكس أزمة بن قردان، المدينة التي ارتبط اقتصادها لعقود بالحركة الحدودية مع ليبيا، قبل أن تتراجع فرصها وتتسع الضغوط الاجتماعية والاقتصادية على سكانها.
وهكذا، لم يعد البحر بالنسبة إلى كثير من الشباب مجرد طريق للهجرة، بل أصبح عنواناً لأزمة أوسع تتعلق بالأمل والمستقبل والقدرة على البقاء. وتطرح فاجعة بن قردان مجدداً سؤالاً ملحاً أمام السلطات التونسية: كيف يمكن إقناع الشباب بالبقاء، إذا لم تتوافر لهم فرص حقيقية لبناء مستقبلهم داخل بلدهم؟.







