” ريف رس” 18 غشت 2026
لم يعد ارتفاع أسعار المواد الغذائية في المغرب مجرد مسألة مرتبطة بالسوق أو بتقلبات الأسعار العالمية، بل أصبح سؤالاً اجتماعياً وسياسياً يفرض نفسه بقوة: هل ساهمت الاختيارات الفلاحية التي اعتمدها المغرب خلال السنوات الماضية في الوصول إلى الوضع الحالي؟
من الصعب تحميل مخطط المغرب الأخضر وحده مسؤولية الغلاء، فهذا المخطط أُطلق سنة 2008 بهدف تطوير القطاع الفلاحي، وجذب الاستثمارات، ورفع الإنتاج والصادرات وتحسين مداخيل الفلاحين. وتقول المعطيات الرسمية إن الاستثمارات الفلاحية ارتفعت بشكل كبير خلال سنوات تنفيذ المخطط، كما سجلت الصادرات الفلاحية نمواً مهماً.
لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بكمية ما ينتجه المغرب، وإنما بماذا ينتج، ولمن، وبأي ثمن يصل المنتج إلى المواطن؟
فحين يتم توجيه جزء مهم من الاستثمار نحو الزراعات ذات القيمة التجارية والتصديرية، يصبح من المشروع طرح سؤال حول مدى التوازن بين متطلبات التصدير وبين ضمان وفرة المنتجات الأساسية داخل السوق الوطنية، خصوصاً في فترات الجفاف وندرة المياه وارتفاع تكاليف الإنتاج.
كما أن الغلاء لا يمكن اختزاله في الفلاحة وحدها. فهناك كلفة الطاقة والنقل، وأسعار المدخلات الزراعية، والتغيرات المناخية، وتراجع الموارد المائية، إضافة إلى تعدد حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك، وهي عوامل يمكن أن ترفع السعر النهائي بشكل كبير.
أما الحديث عن وجود «مخطط إسرائيلي» يقف وراء الغلاء، فهو ادعاء يحتاج إلى أدلة ووثائق واضحة، ولا ينبغي تقديمه كحقيقة ثابتة من دون إثبات. وجود تعاون أو استثمارات أو اتفاقيات مع طرف أجنبي لا يعني تلقائياً وجود خطة سرية للتحكم في أسعار الغذاء بالمغرب.
المطلوب اليوم ليس البحث عن شماعة خارجية، وإنما فتح نقاش صريح حول السياسة الفلاحية، وتدبير المياه، وأولويات الإنتاج، والتصدير، وهوامش أرباح الوسطاء، وحماية القدرة الشرائية للمواطن.
فإذا كان المغرب قد نجح في رفع الإنتاج والصادرات، يبقى السؤال الأهم: هل نجح بالقدر نفسه في جعل الغذاء متاحاً للمغربي بأسعار عادلة.







