الرئيسية / وطنية / أزمة الهجرة.. هل يحتاج الحل إلى ما هو أبعد من الردع؟
وطنية

أزمة الهجرة.. هل يحتاج الحل إلى ما هو أبعد من الردع؟

2026-08-19 18:08 3 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس ” 19 غشت 2026

لم يعد من الممكن التعامل مع ظاهرة الهجرة، خصوصاً هجرة الشباب، باعتبارها مجرد ملف أمني يمكن احتواؤه بالمراقبة وتشديد الحواجز وتكثيف عمليات المنع. فخلف كل شاب يحاول الوصول إلى الضفة الأخرى، هناك قصة اجتماعية واقتصادية وإنسانية تستحق أن تُفهم قبل أن تُواجه بالردع.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن المقاربة الأمنية، رغم ضرورتها في محاربة شبكات الاتجار بالبشر والمهربين، لا تستطيع وحدها القضاء على الظاهرة. فكلما أُغلقت طريق، ظهرت أخرى، وكلما شُددت المراقبة، بحث الشباب عن مسالك جديدة، وأحياناً أكثر خطورة، ما يجعل أرواحهم عرضة للموت في البحر أو خلال محاولات العبور.

السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه اليوم ، ليس فقط  كيف نمنع هؤلاء الشباب من الهجرة؟ بل، لماذا يريدون الرحيل أصلاً؟

عندما يشعر شاب بأنه لا يجد فرصة عمل تضمن له كرامته، ولا يرى أمامه أفقاً واضحاً لبناء مستقبله، ويصطدم بارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة السكن وضعف فرص الإدماج، فمن الطبيعي أن تصبح الهجرة بالنسبة إليه حلماً، حتى وإن كانت محفوفة بالمخاطر.

والأخطر من ذلك أن استمرار الاقتصار على الحلول الردعية قد يؤدي إلى تحويل الهجرة من ظاهرة اجتماعية تحتاج إلى معالجة عميقة إلى معركة مفتوحة بين الشباب والأجهزة الأمنية، بينما يبقى أصل المشكلة قائماً.

المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق المنع فقط إلى منطق الوقاية والمعالجة. وهذا يقتضي وضع سياسات حقيقية لخلق فرص الشغل، ودعم المشاريع الصغيرة، وتسهيل ولوج الشباب إلى التمويل والتكوين، وربط التعليم بسوق العمل، وتحقيق تنمية أكثر عدلاً في المناطق التي تعاني من التهميش وارتفاع البطالة.

كما أن على المسؤولين الاستماع إلى الشباب بدل الحديث عنهم فقط. فالشاب الذي يفكر في ركوب قارب الموت لا يحتاج فقط إلى من يمنعه من الوصول إلى الساحل، بل يحتاج إلى من يسأله: ماذا ينقصك؟ ولماذا فقدت الثقة في إمكانية بناء مستقبلك هنا؟

وفي المناطق الشمالية، حيث تتقاطع ظاهرة الهجرة مع البطالة والتفاوتات الاجتماعية وقرب أوروبا، تصبح الحاجة إلى حلول أكثر إلحاحاً. فلا يمكن أن تكون التنمية مجرد مشاريع وأرقام، بينما يشعر جزء من الشباب بأن مستقبله يوجد على الضفة الأخرى من المتوسط.

وفي الوقت نفسه، يجب التفريق بوضوح بين الشباب الباحث عن فرصة أفضل وبين شبكات الاتجار بالبشر التي تستغل اليأس وتحوّله إلى تجارة مربحة. مواجهة المهربين مسؤولية أمنية وقضائية، أما معالجة دوافع الهجرة فهي مسؤولية اقتصادية واجتماعية وسياسية بالدرجة الأولى.

لقد حان الوقت لطرح السؤال بصراحة، هل نريد فقط أن نمنع الشباب من الرحيل، أم نريد أن نجعلهم يرغبون في البقاء؟

الفرق بين الخيارين كبير.

فالمنع قد يؤخر الهجرة، لكنه لا يلغي أسبابها. أما بناء الثقة وتوفير الكرامة والفرص والأمل، فهو الطريق الحقيقي لمعالجة الظاهرة من جذورها.

الشباب لا يحتاجون إلى مزيد من الخطابات التي تطلب منهم الصبر، بقدر ما يحتاجون إلى سياسات تمنحهم سبباً حقيقياً لهذا الصبر.

لذلك، فإن أي استراتيجية جادة للهجرة يجب أن تبدأ من الداخل، ببناء مغرب يستطيع فيه الشاب أن يرى مستقبله قبل أن يبحث عنه خلف البحر.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *