” ريف رس ” 20 غشت 2026
قد يكون وزير الخارجية المغربي محقاً عندما يؤكد أن المغرب ليس ” دركياً لأوروبا” ، وهي عبارة تختصر موقفاً سيادياً واضحا ، المغرب ليس مطالباً بأن يتحول إلى حارس دائم للحدود الأوروبية، ولا أن يتحمل وحده أعباء أزمة الهجرة التي تتجاوز حدودَه وإمكاناته.
لكن، في المقابل، هناك سؤال أكثر إلحاحاً ينبغي طرحه داخل المغرب: إذا لم يكن المغرب دركياً لأوروبا، فهل سيكون حامياً لأبنائه الذين يخاطرون بحياتهم من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى؟
المهاجر الذي يركب قارب الموت، أو يختبئ في شاحنة، أو يحاول عبور الحدود، لا يفعل ذلك دائماً بحثاً عن المغامرة أو رفضاً لوطنه. كثيرون تدفعهم البطالة، والفقر، وغياب الفرص، وارتفاع تكاليف المعيشة، والشعور بانسداد الأفق إلى البحث عن حياة يرون أنها أكثر كرامة في مكان آخر.
وهنا تكمن مسؤولية الدولة الحقيقية.
فحماية الحدود ومنع الهجرة غير النظامية جزء من مسؤوليات أي دولة، لكن حماية المواطن لا ينبغي أن تتوقف عند منعه من عبور الحدود. الحماية الحقيقية تبدأ من توفير شروط العيش الكريم داخل الوطن: مدرسة جيدة، وصحة محترمة، وفرص عمل حقيقية، وعدالة اجتماعية، وتكافؤ في الفرص، وإدارة تحارب الفساد والزبونية، وشباب يشعر بأن مستقبله يمكن أن يُبنى في بلده.
فما فائدة أن نمنع شاباً من الوصول إلى الضفة الأخرى، إذا لم نوفر له سبباً مقنعاً للبقاء في الضفة التي ولد فيها؟
المطلوب ليس فقط تشديد المراقبة على السواحل والحدود، ولا تحويل المغرب إلى قوة أمنية مكلفة بإيقاف المهاجرين نيابة عن أوروبا، وإنما معالجة الأسباب التي تدفع المواطن إلى التفكير في مغادرة وطنه ولو كان الثمن حياته.
إن الدفاع عن السيادة الوطنية لا يتعارض مع الدفاع عن كرامة المواطن، بل إنهما وجهان لعملة واحدة. والمغرب الذي يريد أن يكون شريكاً قوياً لأوروبا في ملف الهجرة، من حقه أن يطالب أوروبا بدورها بتحمل مسؤولياتها، لكنه مطالب أيضاً بأن يجعل الحياة داخل المغرب أكثر أمناً واستقراراً وعدالة بالنسبة إلى أبنائه.
المواطن الذي يجد عملاً وكرامة وأملاً في وطنه، لن يحتاج إلى قارب موت بحثاً عن مستقبل مجهول.
لذلك، نعم، المغرب ليس دركياً لأوروبا، لكن عليه أن يكون أولاً حارساً لكرامة أبنائه، وحامياً لمستقبلهم، ومكافحاً للأسباب التي تدفعهم إلى الهجرة قبل أن تتحول شواطئ المتوسط إلى مقابر لأحلامهم.







