” ريف رس ” 15 غشت 2026
وكالات
سجلت مناطق متفرقة من العالم، خلال الساعات الأخيرة، سلسلة من الزلازل متفاوتة القوة، كان أعنفها قبالة جزيرة فلوريس الإندونيسية، بالتزامن مع هزات أخرى في إسبانيا والسلفادور وروسيا والفلبين وباكستان. وأثار هذا التقارب الزمني تساؤلات بشأن احتمال وجود رابط بين هذه الأحداث، أو دخول الكوكب مرحلة غير عادية من النشاط الزلزالي.
غير أن قراءة المعطيات العلمية المتاحة تفرض التمييز بين تزامن الزلازل في الزمن وبين ارتباطها من الناحية الجيولوجية. فالأرض تسجل يوميا عددا كبيرا من الهزات، ولا يعني تداول أخبار عدة زلازل خلال فترة قصيرة أنها ناتجة عن سبب واحد أو أنها تمثل بداية سلسلة زلزالية عالمية.
نشرة أخبار
زلزال إندونيسيا يتصدر الأحداث
أقوى الهزات المسجلة بين 13 و15 غشت 2026 وقعت مساء الجمعة شمال غربي مدينة إندي في إندونيسيا، وبلغت قوتها 7.7 درجات، على عمق أولي قدره عشرة كيلومترات، وفق بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية.
ووقع مركز الزلزال في منطقة بحرية تقع بين عدد من الجزر المأهولة، ما دفع السلطات إلى إصدار تحذير من احتمال حدوث موجات تسونامي قبل رفعه لاحقا. وأفادت تقارير أولية بسقوط قتلى وجرحى، إلى جانب تضرر مبان وانقطاع الاتصالات والكهرباء في بعض المناطق، فيما ظلت عمليات تقييم الخسائر مستمرة بسبب صعوبة الوصول إلى عدد من المواقع.
وسجلت المنطقة، بعد الزلزال الرئيسي، سلسلة قوية من الهزات الارتدادية، بلغت قوة أبرزها 6.1 درجات، ثم 5.9 و5.6 و5.5 درجات. وهذه الهزات ليست أحداثا مستقلة بالضرورة، بل تدخل ضمن النشاط الارتدادي الناتج عن إعادة توزيع الضغوط داخل القشرة الأرضية بعد الصدمة الرئيسية. وتبقى أرقام الضحايا والخسائر مؤقتة وقابلة للتحديث، بحسب وكالة أسوشيتد برس والسجل الزلزالي الأمريكي.
وتُعد إندونيسيا من أكثر دول العالم تعرضا للزلازل، بسبب موقعها على ما يعرف بـ«حزام النار» في المحيط الهادئ، حيث تتقاطع صفائح تكتونية نشطة. كما أن وقوع زلزال قوي في قاع البحر وعلى عمق ضحل يرفع احتمال توليد تسونامي، خصوصا إذا تسبب في إزاحة عمودية كبيرة لقاع المحيط.
هزة بقوة 5.2 درجات جنوب إسبانيا
وبعد نحو ساعة من زلزال إندونيسيا، سجلت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية هزة أرضية بلغت قوتها 5.2 درجات، حدد مركزها على مسافة كيلومتر واحد جنوب غربي بلدة أوتورا، قرب غرناطة جنوبي إسبانيا، وعلى عمق أولي قدره عشرة كيلومترات.
وقرب مركز الهزة من المناطق المأهولة يجعل الإحساس بها أقوى مقارنة بزلزال يقع بالقوة نفسها في عرض البحر أو على عمق كبير. لكن قوة الزلزال وحدها لا تكفي لتقدير حجم الأضرار، إذ تدخل في ذلك عوامل أخرى، من بينها جودة البناء وطبيعة التربة والكثافة السكانية ومدة الاهتزاز.
وتقع جنوب إسبانيا في منطقة تأثر جيولوجي ناتجة عن تقارب الصفيحتين الإفريقية والأوراسية. لذلك تعرف المنطقة، ومعها شمال المغرب وبحر البوران، نشاطا زلزاليا متقطعا لا يُعد جديدا من الناحية العلمية.
مراجع جغرافية
ولا يعني وقوع هزة قرب غرناطة وجود خطر زلزالي وشيك على المغرب، كما لا يمكن اعتبارها مؤشرا كافيا للتنبؤ بزلزال آخر. لكن الحدث يعيد التأكيد على ضرورة استمرار الرصد في المجال المتوسطي، بالنظر إلى تشابك بنيته الجيولوجية.
هزات في السلفادور والفلبين وروسيا وباكستان
وفي أمريكا الوسطى، سجلت السلفادور يوم 13 غشت زلزالا بقوة 5.5 درجات، تمركز على بعد نحو 69 كيلومترا جنوب غربي شيريلاغوا، وعلى عمق يقارب 57 كيلومترا. ويسهم العمق المتوسط للزلزال في انتشار موجاته على مساحة أوسع، لكنه قد يخفف من شدتها مقارنة بهزة سطحية بالقوة نفسها.
وسجلت جزر كيرماديك في جنوب المحيط الهادئ زلزالا بقوة 5.6 درجات، بينما شهدت الفلبين هزتين بقوة 5.3 و5.1 درجات. كما رُصد زلزال بقوة 5.4 درجات قرب سيفيرو كوريلسك في أقصى الشرق الروسي، وهزة بقوة 5.1 درجات قرب باريشال في باكستان.
وتوضح هذه الوقائع انتشار النشاط الزلزالي عبر مناطق جغرافية متباعدة، لكنها لا تثبت وجود صلة مباشرة بينها. فمعظم هذه المناطق تقع أصلا على حدود صفائح تكتونية أو بالقرب من صدوع معروفة بنشاطها.
هل الزلازل المتزامنة مرتبطة ببعضها؟
علميا، لا يكفي وقوع زلازل في اليوم نفسه أو خلال ساعات متقاربة للقول إنها مرتبطة. فإندونيسيا والفلبين وروسيا تقع في نطاقات مختلفة من حزام النار، بينما يرتبط النشاط في إسبانيا والسلفادور وباكستان بأنظمة تكتونية مستقلة.
وتؤكد هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن الزلازل الكبيرة تستطيع، في بعض الحالات، تحفيز هزات في مناطق بعيدة من خلال انتقال الموجات الزلزالية. لكن هذا التأثير يظهر غالبا في صورة هزات صغيرة داخل مناطق متصدعة أو بركانية نشطة أصلا.
أما الدراسات الخاصة بالزلازل التي تتجاوز قوتها خمس درجات، فلم تجد ارتفاعا عاما وثابتا في احتمال وقوع زلازل مدمرة بعيدة بعد كل زلزال كبير. ولذلك لا توجد حاليا أدلة تسمح باعتبار الهزات المسجلة في إندونيسيا وإسبانيا والسلفادور وبقية المناطق أجزاء من «زلزال عالمي» واحد. وهذا ما توضحه هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية في تفسيرها للتحفيز الزلزالي البعيد.
هل ارتفع عدد الزلازل في العالم؟
قد تعطي التغطية الإعلامية المتزامنة والانشار السريع للمقاطع المصورة انطباعا بأن عدد الزلازل ارتفع بصورة مفاجئة. لكن شبكات الرصد الحديثة أصبحت أكثر قدرة على تسجيل الهزات التي كانت تمر في السابق من دون أن ترصد أو تحظى بتغطية إعلامية.
وينشر المركز الوطني الأمريكي لمعلومات الزلازل بيانات نحو 30 ألف هزة سنويا، في حين يُقدر أن الأرض تشهد ملايين الزلازل، غالبيتها ضعيفة أو تقع في مناطق نائية وتحت المحيطات.
وتظهر إحصاءات الفترة الممتدة بين 2015 و2025 تسجيل نحو 1600 زلزال سنويا بقوة تتراوح بين 5 و5.9 درجات، ونحو 110 زلازل بين 6 و6.9 درجات، وقرابة 13 زلزالا بين 7 و7.9 درجات. وبناء على هذه المعدلات، فإن رصد عدة هزات تتجاوز خمس درجات خلال يومين لا يمثل، بمفرده، دليلا على تغير استثنائي في سلوك الكوكب، وفق بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية.
لماذا يقتل زلزال متوسط أكثر من زلزال قوي؟
لا تتحدد خطورة الزلزال بالدرجة المسجلة فقط. فقد يمر زلزال قوي في منطقة بحرية بعيدة من دون خسائر بشرية، بينما يتسبب زلزال أقل قوة في كارثة إذا وقع تحت مدينة مزدحمة أو بالقرب منها.
وتتحكم في حجم الكارثة عدة عناصر، أبرزها عمق البؤرة، والمسافة عن التجمعات السكانية، وصلابة المباني، وطبيعة التربة، ووقت وقوع الهزة، وقدرة فرق الإنقاذ على الوصول السريع إلى المتضررين.
كما أن الفرق بين الدرجات ليس حسابيا بسيطا. فارتفاع القوة بدرجة واحدة يعني زيادة كبيرة جدا في الطاقة المنطلقة، ولذلك يفوق زلزال بقوة 7 درجات زلزالا بقوة 6 درجات بعشرات المرات من حيث الطاقة.
لا إمكانية للتنبؤ الدقيق
رغم التقدم الكبير في أجهزة الرصد وتحليل حركة الصفائح، لا يستطيع العلماء تحديد تاريخ ومكان وقوة زلزال مستقبلي بصورة دقيقة. وما يمكن القيام به هو رسم خرائط للمخاطر، وتقدير احتمالات حدوث زلازل خلال مدد زمنية طويلة، وإصدار توقعات إحصائية للهزات الارتدادية بعد الزلازل الكبرى.
أما الرسائل المتداولة التي تزعم تحديد يوم أو ساعة وقوع زلزال جديد، فلا تستند إلى أساس علمي. وتؤكد هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أنه لم يسبق لأي مؤسسة علمية أن تنبأت بدقة بزلزال كبير من خلال تحديد مكانه وزمنه وقوته مسبقا.
الوقاية أكثر واقعية من التنبؤ
لا تعني استحالة التنبؤ الدقيق أن المجتمعات عاجزة أمام الزلازل. فالتجارب الدولية تؤكد أن تطبيق معايير البناء المقاوم للهزات، ومراقبة المنشآت القديمة، وتدريب السكان، وتجهيز فرق الإنقاذ، عوامل تقلل بصورة كبيرة من عدد الضحايا.
وعند وقوع الزلزال، يُنصح بالابتعاد عن النوافذ والأجسام القابلة للسقوط، والاحتماء تحت طاولة متينة، وعدم استعمال المصاعد. وإذا كان الشخص في الخارج، فعليه الابتعاد عن المباني والأسلاك الكهربائية. وفي المناطق الساحلية، ينبغي التوجه إلى أماكن مرتفعة عند صدور تحذير رسمي من تسونامي.
إن توالي أخبار الزلازل من إندونيسيا إلى إسبانيا والسلفادور وروسيا يستحق المتابعة الجدية، لكنه لا يبرر نشر الخوف أو الحديث عن كارثة كونية مرتقبة. المعطيات المتاحة تكشف عن زلزال رئيسي قوي في إندونيسيا أعقبته هزات ارتدادية، إلى جانب زلازل منفصلة في مناطق نشطة تكتونيا. وبين التهوين والتهويل، تظل المراقبة العلمية والاستعداد المسبق أقوى وسيلتين لحماية السكان.







