الرئيسية / وطنية / المغرب والجزائر.. إلى أين تمضي الأزمة في ظل منطق الصراع وحتمية الجوار؟
وطنية

المغرب والجزائر.. إلى أين تمضي الأزمة في ظل منطق الصراع وحتمية الجوار؟

2026-07-17 13:17 4 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس ” 17 يوليوز 2026

تشكل العلاقات المغربية الجزائرية إحدى أكثر القضايا تعقيدًا في شمال إفريقيا، ليس فقط بسبب تراكم الخلافات السياسية، بل أيضًا لأنها تؤثر بشكل مباشر في مستقبل المنطقة المغاربية بأكملها. فمنذ استقلال البلدين، ظلت العلاقة تتأرجح بين فترات من التقارب المحدود والتوتر المتكرر، إلى أن بلغت مرحلة غير مسبوقة بعد قطع الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب في غشت 2021، لتدخل الأزمة منعطفًا جديدًا اتسم بتراجع الحوار وارتفاع منسوب المواجهة السياسية والإعلامية.

ولم تعد الأزمة الحالية مجرد خلاف ثنائي، إذ أصبحت مرتبطة بتوازنات إقليمية ودولية، وبملفات استراتيجية تشمل الأمن والطاقة والهجرة ومكافحة الإرهاب، فضلًا عن قضية الصحراء التي تبقى محور الخلاف الرئيسي بين الرباط والجزائر.

على الصعيد الدبلوماسي، استطاع المغرب خلال السنوات الأخيرة تحقيق اختراقات مهمة في ملف الصحراء، من خلال توسيع دائرة الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسًا لتسوية النزاع، إلى جانب تعزيز شراكاته مع الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية والإفريقية والعربية. كما عزز حضوره الاقتصادي والاستثماري في القارة الإفريقية، مستفيدًا من سياسة الانفتاح جنوبًا وربط التنمية بالتحرك الدبلوماسي.

في المقابل، تواصل الجزائر الدفاع عن موقفها الداعم لحق تقرير المصير، وتؤكد أن موقفها نابع من مبادئ سياستها الخارجية. كما تعمل على تعزيز حضورها الإقليمي والدولي من خلال توسيع شراكاتها في مجالات الطاقة والأمن، مستفيدة من موقعها كأحد أبرز موردي الغاز الطبيعي إلى أوروبا، خاصة في ظل التحولات التي شهدتها أسواق الطاقة العالمية خلال السنوات الأخيرة.

ويلاحظ أن التنافس بين البلدين لم يعد يقتصر على الملف السياسي، بل امتد إلى مجالات الاستثمار، والنفوذ داخل الاتحاد الإفريقي، والعلاقات مع القوى الدولية، والمشاريع الاقتصادية الكبرى في غرب إفريقيا والساحل. وأصبح كل طرف يسعى إلى تعزيز مكانته كشريك استراتيجي للقوى الدولية، وهو ما يضفي على الأزمة بعدًا جيوسياسيًا يتجاوز الحدود الثنائية.

ورغم استمرار الخطاب المتشدد من الجانبين، فإن المؤشرات الميدانية لا توحي باحتمال اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة. فكلا البلدين يمتلك مؤسسات عسكرية قوية، ويدرك أن أي صدام مفتوح ستكون كلفته الاقتصادية والأمنية والسياسية باهظة، ليس عليهما فقط، بل على المنطقة المغاربية والبحر الأبيض المتوسط. كما أن المجتمع الدولي يفضل الحفاظ على الاستقرار في شمال إفريقيا، بالنظر إلى ارتباطه بقضايا الهجرة والطاقة ومكافحة الإرهاب.

اقتصاديًا، تبدو الخسائر التي تتحملها المنطقة نتيجة استمرار القطيعة كبيرة. ويجمع العديد من الخبراء على أن غياب التعاون بين أكبر اقتصادين في المغرب الكبير حرم المنطقة من فرص تنموية واستثمارية ضخمة. وتشير تقديرات مؤسسات دولية إلى أن التكامل الاقتصادي المغاربي كان من شأنه رفع معدلات النمو وخلق آلاف فرص العمل، وتقوية القدرة التنافسية للمنطقة في الأسواق العالمية.

كما أدى استمرار إغلاق الحدود البرية منذ عام 1994 إلى تعطيل المبادلات التجارية والسياحية، وإضعاف الروابط الاقتصادية والاجتماعية بين سكان المناطق الحدودية، الذين كانوا يشكلون نموذجًا للتبادل والتعايش قبل أن تفرض الخلافات السياسية واقعًا مختلفًا.

من جهة أخرى، تلعب البيئة الدولية دورًا مؤثرًا في مستقبل العلاقات بين البلدين. فالتنافس بين القوى الكبرى على النفوذ في إفريقيا، والتحولات الأمنية في منطقة الساحل، والأزمات المرتبطة بالطاقة، كلها عوامل قد تدفع نحو إعادة ترتيب الأولويات. وإذا ما برزت حاجة أكبر إلى التنسيق الإقليمي في مواجهة التحديات المشتركة، فقد يفتح ذلك المجال أمام مقاربات جديدة تخفف من حدة التوتر، حتى وإن لم تؤدِ إلى مصالحة شاملة.

ومع ذلك، فإن أي انفراج حقيقي سيظل مرهونًا بتوفر إرادة سياسية لدى الطرفين، واستعدادهما لفصل الملفات الخلافية عن مجالات التعاون الممكنة. فقد أثبتت تجارب دولية عديدة أن استمرار الخلافات لا يمنع بالضرورة إقامة تعاون اقتصادي أو أمني عندما تفرض المصالح المشتركة ذلك.

وفي ضوء المعطيات الحالية، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال المرحلة المقبلة هو استمرار حالة الجمود السياسي، مع تجنب التصعيد العسكري، واستمرار التنافس الدبلوماسي والإقليمي. أما سيناريو المصالحة الشاملة، فيبقى احتمالًا قائمًا على المدى البعيد، لكنه يحتاج إلى متغيرات سياسية وإقليمية عميقة، وإلى إجراءات لبناء الثقة تعيد فتح قنوات الحوار تدريجيًا.

وفي النهاية، تظل العلاقة بين المغرب والجزائر محكومة بمعادلة معقدة تجمع بين التاريخ والجغرافيا والمصالح الاستراتيجية. فالجغرافيا تجعل البلدين جارين لا يمكن لأي منهما تغيير موقعه، بينما يفرض الواقع الإقليمي تحديات مشتركة تتطلب، عاجلًا أم آجلًا، البحث عن صيغ للتعايش والتعاون. ويبقى السؤال المطروح، هل تستمر منطق القطيعة في رسم مستقبل المنطقة، أم تفرض التحولات الدولية والإقليمية صفحة جديدة تعيد إحياء حلم التكامل المغاربي؟ الإجابة ستتوقف على الخيارات السياسية التي سيتخذها الطرفان خلال السنوات المقبلة.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *