” ريف رس” 26 يونيو 2025
بقلم: جمال الغازي/ ألمانيا
حوار كنت اجريته مع صديقي علي .
في حضرة الشعر، تصمت الضوضاء لتتكلم الأحاسيس. وفي قصيدة “إيدز” للشاعر علي أمازيغ، لا تقف الكلمات عند حدود الشعر الموزون، بل تتحوّل إلى بوابة عميقة نحو الطفولة، والوجع، والحنين، والخوف الذي يسكن الذاكرة ولا يزول.
كتبها الشاعر قبل أربع سنوات، لكنها لا تزال تنبض بالحياة، كأنها كُتبت البارحة، لأنها نُسجت من ألياف الذاكرة والليل الطويل.
اقول:
بعيدا عن المعنى الظاهري لكلمة “إيدز” كصوت مزعج ومخيف، اختارها علي أمازيغ عنوانا مجازيا عميقا لقصيدة تحمل رسالة وجدانية موجهة إلى كل أراضي “ثامزغا”، إلى كل أمازيغي قُحّ عانى في طفولته من ذات الارتجافات التي سكنت قلب الشاعر. إنها رسالة أيضا إلى رفاق دراسته في مدرسة ابن خلدون، منذ عام 1967 وما تلاه، ليقربهم من أحاسيسه ويمدّ إليهم خيوط الصداقة المتقدة من أعماق روحه.
من بين صفحات كتاب التلاوة، تحديدا مع قصة “أحمد والعفريت”، بدأت أولى بذور الرعب في مخيلة الطفل علي. لكن ما عمّق الجرح هو ما كان يسمعه ليلا وهو مستلق على سريره، في حي “أصبانن”، حيث ظلمات الليل ثقيلة، وصوت الدكّ والحفر ينبعث من باطن الأرض، فتتشكل ملامح الخوف الصامت في داخله.
كان هناك، في ذلك الحي، مقبرة مولاي بغداد، وبوسيتو الماء (possito waman)، وينبوع الماء المعروف بـ “ثسباتش الباطر” أو “أمان مولاي بغداد”. أما حي “أصبانن” ذاته، فكان يعيش في تناقض لافت: صباحه جميل ورواج، لكن مساءه كابوس، إذ لم تكن الإنارة قد وصلت إليه بعد، وكان الغروب موعدا لانبثاق الرعب في علي امازيغ.
كان الشاعر يبيت أحيانا عند جده حدّو وجده دودوح، في عتبة تُعرف بـ “ثعراث أصبانن”. وهناك، وبين جدران الطفولة، وبين “ثداث نسناج” أو “ثداث نسواداي”، تبدأ الطقوس الليلية: الصوت الغريب يتسلل من الأرض، يقرع، يحفر، يربك السكون، فيرتجف قلب الطفل.
سألته جدته ذات ليلة:
– هل تسمعه؟
– نعم.
فقالت بحنان مربك:
– لا تخف يا بني، إنه فقط صوت أهل تحت الأرض، فهم يشتغلون في الليل، فهذا وقت استيقاظهم.
فكان علي، وقد غلبه الرعب، يلتحف الفراش حتى يختفي جسده كله، ولا يظهر منه سوى عينه المترقبة، تراقب الظلام وتحصي دقات الخوف، فيما كانت الأرض تهتز بعيدا، ويترافق كل شيء بنباح الكلاب الذي يزيد المشهد رعبا ووقعا في النفس.
ليست “إيدز” مجرد قصيدة إنها مستودع مشاعر، ومرآة لذكريات لا تزول. فيها تذوق مرارة الجراح النفسية، وفيها أيضا حلاوة الإبداع الفني الذي ينساب من القلب دون تكلّف. هي انعكاس لتجربة شخصية، لكنها في الوقت ذاته صوت جماعي لكل من عاش طفولة أمازيغية مثقلة بالخوف، والحكايات، والصمت.
لقد نجح الشاعر في أن يحملنا من حيّ أصبانن إلى قلبه مباشرة، ليصوّر رعبه الطفولي بريشة فنية، وليربط بين التجربة الذاتية والهوية الجمعية. وبهذا لا يروي لنا قصة، بل يصنع من الألم ذاكرة شعرية حيّة تنبض بالحس الإنساني والجمالي.
وفي الأخير اقول :
“إيدز” ليست فقط عنوانا لقصيدة، بل هي علامة محفورة في ذاكرة الشاعر، وفي ضمير من عاشوا مثل تلك الطفولة. إنها الصوت الذي لم يختف، بل تحوّل إلى فنّ، إلى حروف تنبض، إلى دعوة للصداقة والبوح، إلى اعتراف جماعي بالخوف الذي يسكننا .
قصيدة “إيدز” تذكير بأن الشعر الحقيقي لا يخط بالحبر وحده، بل يسكب من دم القلب، ويرتجف على إيقاع الخوف الأول، وتُصقله حكمة الجدّات ؛ تماما كما سقتني جدتي “رحمة” في حي بوبلاو من رحيقها الدافئ ما لن تنساه روحي ابدا .







