” ريف رس” 26 ماي 2025
مصطفى تلاندين
في زمن تتداخل فيه المفاهيم وتتقاطع فيه القيم، تبرز المقارنة كأداة فضح وتفكيك، لا كتقويم بسيط.
بين سيزيف الأسطورة وسيزيف العصر، مسافة ليست زمنية فحسب، بل أخلاقية، فكرية، وجمالية كذلك كما قال الكاتب مولاي الحسن.
سيزيف الإغريقي، رغم عبثية مهمته، جسّد رمزا إنسانيا للمثابرة والتحدي.
صخرة فوق الكتفين، وجبل لا نهاية لقمّته. كان سقوطه تعبيرا عن قدرٍ محتوم، لا عن خيانة للقيم.
لم يدّعِ شيئًا لم يفعله، ولم يلبس رداء غيره. حمل عبء الأسطورة بشرف الصمت والعذاب.
أما سيزيف العصر، فهو مسخُ الكلمات، مُزوّرُ الجمال، طفيلي الفكر. لا صخرة يحمل، بل أوراقا “غير موزونة” – لا شعريا ولا أخلاقيًا. يدّعي الشعر وهو لا يملك من اللغة سوى قشورها، ومن البلاغة سوى فتات منابر مدفوعة بنرجسية فارغة.
“جُمل مدبلجة بلسان غير مبين” ليست سوى استعارات مستوردة، غريبة عن تربتنا، لا تنبت ولا تُثمر.
هذا السيزيف المعاصر لا يرتقي بالصعود، بل بالنقل؛ لا يفكر، بل يكرر؛ لا يُبدع، بل يُقلّد. وما إن يصل المنبر حتى يتحوّل إلى “سائس للقطيع”، لا راعٍ لفكر ولا هادٍ لوعي. إنه منتج عصر اختلطت فيه الأصوات، وتساوى فيه المدّعي بالحقيقي، بل وتقدّم الأول أحيانًا على حساب الثاني كما عبر عن ذلك الدكتور نوالدين اعراب.
“لا مجال للمقارنة” ليست مجرد عبارة ختامية، بل صرخة عقل وفكر وجمال.
بين أسطورة حملت معنى العذاب النبيل، وواقع يعجّ بالفراغ المتعجرف، مسافة ضوئية لا تُقاس بالساعات، بل بالوعي والذوق والموقف.







