الرئيسية / مساحة حرة / صباح العيد في حضن جدتي
مساحة حرة

صباح العيد في حضن جدتي

2025-03-29 19:02 3 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس” 29 مارس 2025

جمال الغازي/ ألمانيا

للعيد في الطفولة نكهة لا تُنسى، نكهة الدفء العائلي وروائح المطبخ الزكية وصوت التكبيرات الذي يملأ الأجواء بخشوع وفرح. لكن العيد عند جدتي رحمة كان له سحر خاص، طقس لا يتكرر، مزيج من الحب والتقاليد العريقة التي ما زالت تسكن ذاكرتي رغم تعاقب السنين. كنت أحرص على النوم بجوارها ليلة العيد، ليس خوفا أو وحشة، بل شغفا بأن أكون أول من يشهد استعداداتها لهذا اليوم المبارك، وأول من يشاركها لحظاته الأولى.

قبل الفجر بقليل، كانت تنهض بخفة، حريصة على ألا توقظني، لكنها لم تكن تعلم أنني مستيقظ منذ أول حركة لها، أراقبها من تحت الغطاء، أسترق النظر إليها وهي تتوضأ في هدوء، ثم تصلي في غرفتها الصغيرة التي كنا نسميها ثغرفت، والموجودة في الطابق العلوي من بيتنا بحي بوبلاو نجذيذ في الناظور. وما إن تنتهي من صلاتها حتى تتسلل إلى المطبخ الملاصق لغرفتها، حيث تبدأ في إعداد المسمن والكسكس بالحليب، الطبقين الأساسيين في فطور العيد.

كانت رائحة المسمن تتغلغل في أرجاء المنزل، تعبق في الأجواء كنداء خفي، فأجدني أنهض مسرعا إلى المطبخ. هناك، أراها منكبة على عجن الطحين، تفرد العجين بأناملها الخبيرة، قبل أن تسويه على المقلاة حتى يتحول إلى قطع ذهبية شهية. لم يكن المسمن الذي تعده جدتي مجرد فطور، بل كان طقسا عائليا، محلى بمحبتها وبركة يديها، حتى أن الجيران كانوا يثنون على مهارتها في صنعه. لم تكن تكتفي بتحضيره لنا، بل تعد كميات إضافية لتوزعها على أطفال الحي، عادة جميلة لم تتخل عنها قط ونفتقرها في هذا الزمان !.

بعد صلاة الفجر، تتردد تكبيرات العيد من مسجد الحي، بصوت يحمل رهبة العيد وفرحته. كنت أندفع خارج الفراش بحماس، أتناول قطعة من المسمن الساخن، ثم أخرج لتوزيع جزء منه على الجيران، كما علمتني جدتي. كانت لحظات العطاء هذه تمنح العيد نكهة مختلفة، تملأ القلب فرحا ورضا.

بعد الإفطار، ترتدي جدتي رزارها الأبيض الناصع، تضع غطاء رأسها بعناية، وتحمل صحنا من الكسكس بالحليب إلى المسجد، تتركه هناك كصدقة، تقليدٌ توارثته العائلة جيلا بعد جيل. لم تكن صلاة العيد تكتمل إلا بعد الإفطار، هكذا كان العرف السائد في حينا.

مع العودة من الصلاة، تبدأ جولة التهاني. البيوت مشرّعة، الأبواب مفتوحة، والابتسامات تعلو الوجوه. “مبروك العيد!” ترددها الألسنة بفرح صادق، فيما تُقدَّم كؤوس الشاي بالنعناع مع حلويات العيد، ويتبادل الكبار الدعوات الطيبة، بينما يحظى الأطفال بعيدياتهم، قطع نقدية صغيرة (الفرنكات) نخبئها بحماس ونخطط لكيفية إنفاقها.

في المساء، يتحول شارع محمد الخامس إلى ساحة احتفالية. نجتمع مع الأصدقاء، نتنقل بين بائعي الحلوى وبذور Pipa، وإذا كانت العيدية كافية، نقصد السينما بعد تناول بوقاذيو بالتونة والبيض عند خالي عبد القادر، أشهر من يعده في المحطة، أو نجلس في أحد المقاهي بشارع محمد الخامس، نطلب مشروبات غازية، ونحتسيها ببطء، وكأننا نعيش لحظة انتصار طال انتظارها.

كان العيد في تلك الأيام أكثر من مجرد احتفال، كان طقسا مقدسا، لحظة تتجدد فيها المحبة، وذكرياتٍ تُحفر في القلب إلى الأبد. لم يكن الفرح في الملابس الجديدة أو العيدية فقط، بل في التفاصيل الصغيرة: في رائحة المسمن، ولمسة يد جدتي الشافية، وفي أصوات الجيران المتبادلة للتهاني، وفي المساء الذي يجمعنا في شارعنا الأثير.

واليوم، كلما مر العيد، أعود بذاكرتي إلى تلك الأيام، إلى جدتي، إلى المسمن الساخن، وإلى ذلك الطفل الذي كان يرى العيد بعين مختلفة، أكثر دفئا، وأكثر صدقا.

عيدكم مبارك سعيد للجميع!

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *