” ريف رس ” 13 اكتوبر 2026
تتجه الأنظار اليوم الثلاثاء إلى مدينة سبتة، ، مع الزيارة التي يقوم بها العاهل الإسباني فيليبي السادس رفقة الملكة ليتيثيا، في خطوة تكتسي أبعاداً سياسية ورمزية خاصة، بالنظر إلى توقيتها الذي يتزامن مع عودة ملف المدينة إلى واجهة النقاش، عقب أزمة الهجرة التي شهدتها نهاية يوليوز الماضي، والتقارير المتعلقة بدخول سفن حربية مغربية إلى المياه المحيطة بها.
وتأتي هذه الزيارة في سياق تتداخل فيه اعتبارات السيادة والأمن والهجرة مع طبيعة العلاقات المغربية الإسبانية، التي تجمع بين التعاون في ملفات استراتيجية واستمرار الخلاف بشأن الوضع السياسي لسبتة ومليلية. وهو ما يجعل الحضور الملكي الإسباني في المدينة محط اهتمام يتجاوز طابعه المؤسساتي، خصوصاً في ظل التطورات الأخيرة التي أعادت تسليط الضوء على حساسية المنطقة.
وتحمل الزيارة، في بعدها الرسمي، رسالة دعم للمؤسسات المحلية وسكان المدينة، كما تعكس حرص مدريد على تأكيد حضور الدولة الإسبانية في أحد أكثر الملفات حساسية في علاقتها مع المغرب. ويكتسي هذا التحرك أهمية إضافية بالنظر إلى البرنامج المرتقب، الذي يتضمن لقاءات مع المسؤولين المحليين وأنشطة رسمية، فضلاً عن قضاء الملك والملكة ليلة في سبتة قبل الانتقال إلى مليلية يوم الأربعاء.
وتحظى هذه الخطوة بدلالات سياسية واضحة، بالنظر إلى أن إسبانيا تعتبر المدينتين جزءاً من أراضيها، في حين لا يعترف المغرب بالسيادة الإسبانية عليهما، ويظل وضعهما مرتبطاً بخلاف تاريخي وسياسي لم تتم تسويته. ولذلك، فإن الزيارات الملكية إلى سبتة ومليلية تكتسي حساسية خاصة، باعتبارها تعبيراً عن الموقف الإسباني الرسمي من المدينتين، حتى عندما تندرج ضمن أنشطة مؤسساتية ذات طابع محلي.
وتأتي الزيارة في أعقاب الجدل الذي أثارته التقارير الإسبانية بشأن دخول فرقاطة وزوارق دورية مغربية إلى المياه المحيطة بسبتة يومي 30 و31 يوليوز الماضي، بالتزامن مع تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين نحو المدينة. وقد أعاد إقرار رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، بوقوع هذه التحركات فتح النقاش حول طبيعة الوضع البحري في المنطقة، خصوصاً بعدما تحدثت تقارير صحفية عن اقتراب بعض التحركات من التسبب في احتكاك مباشر بين قطع بحرية مغربية وإسبانية.
ويضع تزامن هذه التطورات مع الزيارة الملكية المنطقة أمام مشهد سياسي وأمني حساس، تتداخل فيه قضايا مراقبة الحدود البحرية مع الخلافات المرتبطة بالسيادة وتدبير الهجرة. ومع ذلك، لا توجد معطيات مؤكدة تثبت أن الزيارة جاءت رداً مباشراً على التحركات البحرية المغربية، أو أنها تستهدف توجيه رسالة محددة إلى الرباط، الأمر الذي يقتضي التمييز بين الدلالات السياسية للزيارة وبين أي استنتاجات تتعلق بأهدافها غير المعلنة.
وتكتسب الزيارة بعداً إنسانياً أيضاً، بالنظر إلى الأنشطة المرتبطة بضحايا الهجرة الذين لقوا حتفهم أثناء محاولتهم الوصول إلى سبتة سباحة خلال أزمة يوليوز الماضي. فقد أعادت تلك الأحداث طرح أسئلة بشأن تدبير الحدود، وسبل التعامل مع تدفقات الهجرة، والتوازن المطلوب بين الاعتبارات الأمنية وحماية أرواح المهاجرين.
وفي الداخل الإسباني، ترافقت تداعيات الأزمة مع انتقادات سياسية لطريقة تعامل الحكومة مع الأحداث، ومطالب بتعزيز الإجراءات الأمنية على الحدود. ومن شأن الزيارة الملكية أن تعيد تسليط الضوء على وضع المدينة والتحديات التي تواجهها، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة وجود تغيير في السياسة الإسبانية تجاه المغرب أو توجهاً نحو تصعيد جديد بين البلدين.
وتكشف هذه التطورات عن طبيعة العلاقة المعقدة بين الرباط ومدريد، حيث تفرض المصالح الاقتصادية والأمنية والجغرافية استمرار التعاون في مجالات حيوية، من مكافحة الجريمة المنظمة إلى تدبير الهجرة ومراقبة الحدود، بينما تظل قضايا السيادة والحدود البحرية من أبرز نقاط الخلاف التي يمكن أن تثير التوتر كلما شهدت المنطقة حوادث ميدانية حساسة.
وبالنسبة إلى المغرب، تظل سبتة ومليلية جزءاً من ملف تاريخي وسياسي يرتبط بموقفه من الوجود الإسباني في المدينتين، في حين تحرص مدريد على تأكيد ارتباطهما بمؤسساتها وسيادتها. ويجعل هذا التباين أي تحرك رسمي إسباني في المدينتين محط اهتمام لدى المتابعين للعلاقات الثنائية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بزيارة ملكية تأتي في ظرف تتقاطع فيه التطورات الأمنية مع النقاش السياسي حول مستقبل التعاون بين البلدين.
ومع ذلك، لا يمكن اعتبار الزيارة مؤشراً حتمياً على تصعيد جديد، إذ قد تندرج ضمن برنامج مؤسساتي يروم تعزيز التواصل مع سكان سبتة ومليلية وتأكيد الحضور الرسمي الإسباني فيهما. كما أن تدبير الملفات الأمنية والدبلوماسية يظل مرتبطاً بقنوات اتصال منفصلة، تتطلب استمرار الحوار وتفادي أي سوء تقدير قد يؤدي إلى احتكاكات غير محسوبة.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو سبتة مرة أخرى نقطة تقاطع بين الخلاف السياسي والتعاون العملي بين المغرب وإسبانيا. فالزيارة الملكية تؤكد تمسك مدريد بموقفها من المدينة، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على اتجاه العلاقات الثنائية خلال المرحلة المقبلة، التي ستظل رهينة بكيفية تعامل الطرفين مع الملفات الخلافية، وقدرتهما على الحفاظ على المصالح المشتركة رغم استمرار التباينات بشأن السيادة والحدود البحرية.
وبين رمزية الزيارة الملكية وحساسية التحركات البحرية وأزمة الهجرة، يبقى التحدي الأساسي أمام الرباط ومدريد هو منع الخلافات من التحول إلى مواجهة مفتوحة، والحفاظ على قنوات التواصل الضرورية لإدارة منطقة استراتيجية تتشابك فيها الاعتبارات السياسية والأمنية والإنسانية.







