” ريف رس “27 غشت 2026
في المغرب، تبدو السياسة في كثير من الأحيان وكأنها تحولت من مجال لخدمة الصالح العام إلى معمل لإنتاج الوعود الرنانة والشعارات البراقة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمناطق التي تعاني من التهميش وتنتظر مشاريع حقيقية تستجيب لحاجيات سكانها. ويبرز إقليم الناظور باعتباره نموذجاً صارخاً لهذا الواقع، حيث تتكرر الوعود، بينما يبقى المواطن ينتظر ترجمتها إلى أفعال ملموسة.
المشكلة ليست في أن السياسي يَعِد، فالوعود جزء من العمل السياسي، وإنما في أن تتحول الوعود إلى وسيلة لاستمالة المواطنين خلال المناسبات الانتخابية، ثم تختفي بمجرد انتهاء صناديق الاقتراع. عندها يصبح الخطاب السياسي مجرد منتج للاستهلاك الانتخابي، وتتحول ثقة المواطن إلى ورقة يتم استعمالها ثم التخلص منها.
وفي الناظور، لا يحتاج المواطن إلى خطابات جديدة بقدر ما يحتاج إلى نتائج واضحة: تنمية حقيقية، فرص شغل، خدمات عمومية لائقة، ومشاريع تستجيب للواقع المحلي. فالمواطن لم يعد يقيس السياسي بعدد الكلمات التي يقولها، بل بما يستطيع أن يحققه على أرض الواقع.
والأخطر من ذلك أن استمرار هذا الأسلوب يساهم في إفراغ السياسة من معناها الأخلاقي. فحين يصبح الكذب السياسي أمراً عادياً، وحين يتم تقديم الوعود دون التزام حقيقي بتنفيذها، تصبح الأخلاق في السياسة استثناءً بدل أن تكون قاعدة وسلوكاً يومياً.
السياسة بلا أخلاق تتحول إلى صراع على المواقع والمصالح، والسياسي الذي يرى المواطن مجرد صوت انتخابي يفقد جوهر مهمته. أما السياسة الحقيقية، فهي مسؤولية قبل أن تكون سلطة، والتزام قبل أن تكون خطاباً، ومحاسبة قبل أن تكون امتيازاً.
لقد ملّ المواطن من الوعود التي تتكرر في كل موسم انتخابي، ومن الشعارات التي تنتهي صلاحيتها بمجرد إغلاق مكاتب الاقتراع. وما تحتاجه الناظور، كما تحتاجه مناطق أخرى، ليس مزيداً من الكلام، بل سياسة تقوم على الصدق والإنجاز وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فإذا أصبحت الوعود بلا تنفيذ، والخطابات بلا مضمون، والمصلحة الخاصة تتقدم على المصلحة العامة، فلا ينبغي أن نستغرب عندما يفقد المواطن ثقته في السياسة والسياسيين.
لأن السياسة حين تفقد الأخلاق، لا تعود وسيلة لبناء المجتمع، بل تصبح مجرد معمل لصناعة الاوهام.







