” ريف رس ” 13 غشت 2026
بعد أكثر من شهرين من الشكايات المتتالية، وبعد طرق أبواب السلطة المحلية والتنبيه إلى وضع لم يعد يحتمل الصمت، كان يفترض أن يكون الحل مسألة وقت وإرادة ومسؤولية. لكن في أحد أطراف حي المطار بالناظور، يبدو أن أبسط مشاكل الساكنة تحتاج إلى معركة طويلة، وكأن المواطن لا يطلب حقه في الهدوء والنظافة والعيش الكريم، بل يطلب امتيازاً استثنائياً.
القضية بدأت بمجموعة من الجراء التي وجدت في الأحراش والنفايات المتراكمة ملاذاً لها، بعدما دأبت إحدى الكلبات المعروفة في المنطقة على الولادة وسطها بشكل متكرر، لتتحول المنطقة إلى مأوى دائم للكلاب الضالة. والنتيجة كانت واضحة، صراخ الجراء ليل نهار، نباح الكلاب المتجمعة حول المكان، وإزعاج مستمر حرم السكان من أبسط حق لهم ، النوم والراحة داخل منازلهم.
والأكثر إثارة للاستغراب ليس وجود هذه المشكلة في حد ذاتها، وإنما أن الشكايات استمرت لأكثر من شهرين دون أن تجد طريقها إلى حل فعلي. شهران من الإبلاغ والانتظار، بينما الضجيج مستمر، والنفايات تتكاثر، والكلاب تتوالد، والساكنة تدفع ثمن بطء التدخل من أعصابها وراحتها وجودة حياتها.
لكن المفارقة أن المشكلة التي عجزت عنها الشكايات المتكررة، استطاعت الشرطة الإدارية أن تضع لها حداً بمجرد وصول الإخبار إليها.
فبعد أول اتصال برئيس الدورية التابعة للشرطة الادارية بالناظور ” سعيد الزيتوني” ، مساء أمس الأربعاء، تدخل الاخير ومرافقه ، بشكل فوري، وتمكنا من جمع الجراء وإنهاء مصدر مباشر من مصادر الإزعاج الذي كان يقض مضاجع السكان. وهذا التدخل، في حد ذاته، يستحق التنويه، ليس لأن الأمر يحتاج إلى بطولة، بل لأن سرعة الاستجابة أثبتت أن الحل كان ممكناً منذ البداية، وأن المشكلة لم تكن مستحيلة ولا معقدة إلى الحد الذي يبرر كل ذلك الانتظار.
وهنا يحق للمواطن أن يطرح السؤال المحرج، إذا كان التدخل ممكناً بهذه السرعة، فلماذا احتاج الأمر إلى أكثر من شهرين من الشكايات؟
هل أصبحت الشكاية لدى بعض الإدارات أو بعض المسؤولين مجرد ورقة تضاف إلى ملف، ثم تُركن إلى أن يطويها النسيان؟ وهل بات المواطن مطالباً بتكرار الشكوى حتى تتحول مشكلته من مصدر إزعاج إلى فضيحة؟المصيبة، مع ذلك، أن جمع الجراء لا يعني أن المشكلة انتهت. إنه فقط إطفاء لشرارة بينما الحريق ما زال مشتعلاً.
فالمنطقة نفسها ، تعيش وضعاً كارثياً بسبب الانتشار الكبير للاحراش والنفايات التي تتناثر في مختلف أرجائها، في مشهد لا ينسجم إطلاقاً مع أبسط شروط النظافة والعيش الكريم. والنفايات ليست مجرد تشويه بصري، إنها بيئة مثالية لتكاثر الحشرات والقوارض، ومصدر جذب للكلاب الضالة، وبالتالي جزء أساسي من المشكلة وليس تفصيلاً هامشياً فيها.
وبمعنى آخر، ما دام المكان سيظل غارقاً في النفايات والأحراش، فإن جمع الجراء اليوم لن يمنع ظهور جراء أخرى غداً.وهنا تظهر مسؤولية التدخل من جذور المشكلة لا الاكتفاء بمعالجة نتائجها.
فالكلاب الضالة، بدورها، باتت تتخذ من المنطقة مأوى لها، مستفيدة من النفايات وتراكم الأزبال وغياب المعالجة الجدية للوضع. وإذا استمر هذا الواقع، فإن السؤال لن يعود متعلقاً فقط بإزعاج السكان، وإنما أيضاً بالسلامة والصحة العامة، وبمدى قدرة الجهات المعنية على تدبير المجال الحضري بما يحفظ كرامة السكان وأمنهم وراحتهم.
لكن يبدو أن الكلاب ليست وحدها التي وجدت في المنطقة ملاذاً مناسباً.فإلى جانب النفايات والكلاب الضالة، تبرز مشكلة أخرى لا تقل إزعاجاً، وهي الفوضى المرتبطة بشقق الكراء، وما يرافقها، بحسب شكاوى السكان، من ضجيج وفوضى وتحول بعض الفضاءات إلى مصدر دائم للإزعاج. وهنا تصبح الصورة أكثر قتامة، نفايات متراكمة، كلاب ضالة، ضجيج، وفوضى، فيما تظل الساكنة عالقة بين الشكايات والوعود المؤجلة.
وإذا كانت الجهات المعنية قد اختارت سياسة “غداً سنعالج الأمر”، فإن المواطن هو الذي يدفع ثمن هذا “الغد” كل ليلة.
لقد سئم السكان من الوعود المؤجلة، ومن لغة “سنتدخل”، و”سنعالج”، و”سيتم اتخاذ الإجراءات اللازمة”، إذا لم تتحول هذه العبارات إلى أفعال ملموسة على الأرض. فالمدينة لا تُدار بالوعود، والأحياء لا تُنظف بالبلاغات، والساكنة لا تنام بفضل التطمينات.
ما تحتاجه المنطقة اليوم ليس تدخلاً موسمياً لالتقاط الجراء، ثم العودة إلى نقطة الصفر، وإنما معالجة شاملة، تنظيف المكان ورفع النفايات، إزالة الأحراش التي تحولت إلى مأوى للحيوانات، وضع آلية حقيقية للتعامل مع الكلاب الضالة، ومراقبة أوضاع شقق الكراء التي تشتكي منها الساكنة، والتعامل بجدية مع مصادر الضجيج والفوضى.
والأهم من ذلك كله هو المراقبة بعد التدخل. لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن تأتي حملة تنظيف أو تدخل ظرفي، ثم تعود الأمور بعد أيام أو أسابيع إلى ما كانت عليه، وكأن شيئاً لم يحدث.
أما الرسالة الأوضح التي بعث بها تدخل الشرطة الإدارية فهي أن الإدارة تستطيع أن تتحرك عندما تتوفر الإرادة. ولذلك فإن المطلوب الآن ليس فقط شكر من تدخل وأنصف السكان في هذه الواقعة، وإنما البناء على هذا التدخل حتى لا تبقى المعالجة مرتبطة بشخص أو بشكاية استثنائية، بل تصبح جزءاً من عمل إداري مستمر ومنظم.
ومن الإنصاف القول إن تدخل رئيس الدورية بااشرطة الإدارية، سعيد الزيتوني ومرافقه في هذه الحالة يستحق الإشادة، لأنهما قدما مثالاً بسيطاً لكنه مهم، حين يصل صوت المواطن إلى الجهة المستعدة للتحرك، يمكن أن يتغير الواقع بسرعة.
لكن الإشادة لا ينبغي أن تتحول إلى ستار يحجب بقية الاختلالات.
فالساكنة لا تريد معجزات، ولا تطالب بما يتجاوز القانون. إنها تريد فقط حياً نظيفاً، آمناً، هادئاً، خالياً من مظاهر الفوضى والإهمال، وتريد أن تكون شكاياتها مسموعة قبل أن تصل الأمور إلى حد لا يطاق.
لقد حان الوقت لأن تتوقف بعض الجهات عن التعامل مع شكايات المواطنين بمنطق “دع الأمور حتى تهدأ”. فالمشاكل لا تختفي عندما نتجاهلها، بل تتراكم. والنفايات لا تختفي لأنها لم تعد موضوع شكوى، والكلاب لا تغادر لأنها لم تجد من يطاردها، والضجيج لا يتحول إلى هدوء بمجرد كتابة محضر أو إطلاق وعد جديد.
حي المطار لا يحتاج إلى وعود جديدة،بل يحتاج إلى تدخلات واضحة وفورية، ومسؤولية مستمرة، ومحاسبة على النتائج.
أما أن يظل المواطن يشكو لشهرين او أكثر ، ومثال على ذلك ايضا الشجرة التي تم اقتلاعها منذ أزيد من ستة أشهر ولا تزال تراوح مكانها في المنطقة نفسها ، ثم لا يتحرك الملف إلا بعد وصوله إلى جهة أخرى، فهذه ليست طريقة سليمة لتدبير الشأن المحلي، بل جرس إنذار ينبغي أن يسمعه الجميع.
فالساكنة لا تطلب المستحيل. تطلب فقط ألا تكون أبسط حقوقها في النظافة والهدوء والعيش الكريم رهينة بمدى سرعة وصول الشكاية إلى الشخص المناسب.
وإذا كان جمع الجراء قد أراح السكان ليلة الأربعاء، فإن المطلوب الآن هو أن يأتي الدور على النفايات، والأحراش، والكلاب الضالة، والضجيج، وفوضى شقق الكراء. وإلا فإن المشكلة ستعود من جديد، وربما بشكل أسوأ، وستظل الشكايات تتناسل أكثر من الجراء نفسها. وللموضوع بقية .









