” ريف رس ” 27 يوليوز 2026
إذا كانت لكل مدينة معالمها التي تميزها، فإن الناظور يبدو أنها قررت، في الآونة الأخيرة، أن تصنع لنفسها هوية جديدة قوامها الأزبال والكلاب الضالة. فحيثما وليت وجهك، تستقبلك أكوام النفايات وكأنها في مهمة رسمية لاستقبالك، بينما تقف حاويات القمامة مكتظة عن آخرها، وقد أعلنت، على ما يبدو، عجزها عن استيعاب المزيد من “إنجازات” التدبير اليومي.
أما حرارة الصيف، فقد أبت إلا أن تشارك في هذا المشهد العبثي، فتحولت الروائح المنبعثة من النفايات إلى ضيف ثقيل لا يحتاج إلى دعوة، يرافق المارة في الأزقة والشوارع، ويمنح المدينة بصمة عطرية لا تشبه إلا نفسها.
ولأن الصورة لا تكتمل إلا بكل تفاصيلها، فقد تكفلت الكلاب الضالة بإضفاء لمسة من “الحيوية” على المشهد. تتجول بكل أريحية بين الأحياء والشوارع، تعبر الطرقات، ترافق المواطنين، وتحتل الأرصفة بثقة يحسدها عليها كثيرون، حتى يخيل للمرء أنها أصبحت شريكًا رسميًا في تدبير الشأن المحلي، وربما أكثر حضورًا من بعض المسؤولين
الناظور اليوم تعيش واحدة من أسوأ فتراتها على مستوى النظافة والبيئة الحضرية، وهي صورة يقول كثير من السكان إنهم لم يألفوها حتى في عهود رؤساء الجماعات السابقين. فمهما اختلف الناس حول تقييم تلك المراحل، فإن أحدًا لم يكن يتصور أن تتحول المدينة إلى معرض مفتوح للنفايات، وأن يصبح البحث عن شارع نظيف أقرب إلى البحث عن إبرة في كومة قش.
وفي خضم هذا الواقع، تتعالى الأسئلة في أوساط المواطنين، أين رئيس المجلس الجماعي؟ وهل قام مؤخرًا بجولة في شوارع المدينة ليرى بعينيه ما يراه السكان كل يوم؟ وهل تصله أخبار ما تعيشه الناظور من تراجع بيئي، أم أن التقارير التي تصله تتحدث عن مدينة أخرى لا علاقة لها بهذه المدينة التي تغرق في الأزبال؟
الغريب أن المواطن لا يطالب بالمستحيل، ولا ينتظر مشاريع فضائية أو مدنًا ذكية، بل يطالب بأبسط حقوقه: شارع نظيف، وحاوية تُفرغ قبل أن تتحول إلى جبل صغير، ومدينة لا يخشى فيها الأطفال المرور بجانب أسراب الكلاب الضالة. مطالب تبدو بديهية في أي مدينة، لكنها في الناظور أصبحت أقرب إلى الأمنيات.
ويبدو أن المسؤولين، إن كانوا قد ملّوا من سماع شكاوى المواطنين، فإن الأزبال لم تملّ من احتلال الشوارع، والكلاب الضالة لم تتعب من التجول، والروائح الكريهة لم تفكر يومًا في أخذ عطلة. وحده المواطن من يدفع ثمن هذا المشهد الذي لا يليق بمدينة لها تاريخها ومكانتها.
إن الناظور لا تحتاج اليوم إلى حملات دعائية أو شعارات رنانة عن التنمية والحداثة، بل تحتاج إلى حملة نظافة حقيقية تعيد إليها وجهها الجميل، وإلى مسؤولين ينزلون إلى الميدان بدل الاكتفاء بالمكاتب والتصريحات. فالمدينة لا تُقاس بعدد البلاغات ولا بكثرة الوعود، وإنما تُقاس بما يراه المواطن تحت قدميه، وما يستنشقه وهو يسير في شوارعها.
وفي انتظار أن تستفيق الجهات المسؤولة من سباتها، يبدو أن الأزبال ما زالت تحتفظ بلقب “سيدة الشوارع”، وأن الكلاب الضالة أصبحت، دون انتخابات أو تعيين، أكثر الكائنات حضورًا في الفضاء العام… أما المواطن، فلا يملك سوى أن يتساءل، كل صباح: هل سأجد اليوم مدينتي، أم سأجد مزيدًا من النفايات؟.











