” ريف رس” 25 ابريل 2026
بقلم: محمد بوثخريط/ هولندا
- نَعيبُ زَمانَنا وَالعَيبُ فينا …
- على هامش تغييب التمثيلية الامازيغية في افتتاح المسرح الكبير بالرباط…
أثارت تدوينة للفنانة ‘تيفور’ جدلاً واسعاً بعد انتقادها لتغييبها وتغييب المبدعين والفنانين الأمازيغ كاشفة عن معاناة مستمرة مع ما وصفته “بالتهميش الممنهج”..وجاء ذلك تزامنا مع حفل افتتاح المسرح الكبير بالرباط، الذي أُقصي الفنان الامازيغي من حضوره ، و معتبرة ذلك إقصاءً غير مقبول ومعبرة عن استيائها مما وصفته بالتهميش الذي اصبح واضحا ومؤلما..على حد تعبيرها ..
للأسف الشديد ليست هذه المرة الأولى التي يتم فيها إقصاء وتهميش الامازيغ و إقصاء الأمازيغية من التظاهرات الفنية، بل سبقتها العديد من الممارسات المماثلة في الشق الثقافي، وطنيا ومحليا وكذلك دوليا..
اتذكر هنا على سبيل الذكر لا الحصر ، كم مرة احتج صديقنا محمد بوزكو عبر هذا الفضاء وعبر قنوات اخرى كثيرة عن هذا التهميش والاقصاء لكن لم يتلقى الدعم الكافي من الزملاء في الميدان ولا خارج الميدان كما نرى اليوم الكثير من هؤلاء استيقظوا فجأة واصبحوا “مناضلين ” وبدأوا يتقاسمون تدوينة “تيفور”..بل وكثير من المواقع الالكترونية نشرت التدوينة على صفحاتها ، وكأنها وحدها من احتجت . تجاوزوا بوزكو وشيماء العلاوي وقبلها سميرة المصلوحي وعبدالرحيم هربال وآخرون..
وحتى لا يُفهم كلامي خطأً.. في هذا المنشور لست ضد تيفور فانا اعشق فنها واغانيها حتى النخاع وانا ربما من الاوائل الذين كتبوا عنها واشادوا بصوتها، وثقافتها وعلو كعبها، ولست هنا بصدد تصنيف أحد أو مدح فن أحد أو ذمه، ولا إدخال أحد في صنف “الكبار” أو إخراجه منه فهذا ليس بيدي…
وإنني في مقالي هذا أريد أن أقدم فقط (شهادة)، وقبل أن أطرح شهادتي لا بد أن أستدرك كنوع من المحايدة، فلا أنا (مع أو ضد) من يدلون بمواقفهم او باحتجاجاتهم..
انا احاول فقط وضع الاصبع على الجرح ومحاولة تحديد أصل المشكلة أو على الاقل كشف الجانب الأكثر إيلاماً وحساسية.
ان واقع الوسط الفني، في الريف يشير إلى وجود “فجوة” في التضامن الفعلي بين الفنانين في كثير من الأحيان، رغم النداءات المتكررة للوحدة.
والفن لا يكتسب قيمته الحقيقية الا عندما يكون صوتاً للجماعة لا للفرد فقط.
صحيح ان التضامن الفني في الريف ليس غائباً تماماً، ولكنه يعاني من تحديات حقيقية تنافسية و شخصية ، تجعله متفاوتاً بين المبادرات الفردية والمواقف الجماعية التضامنية.
هناك حزازات كثيرة، وجود صراعات موروثة واحيانا ولاءات ضيقة تعيق التماسك وتعمق الانقسام وتؤخر التصالح.
إن مشاهد الواقع أبلغ من أي تعبير آخر..وكما اشرت اعلاه انذكر ان محمد بوزكو عبر ما مرة عن استيائه من هذا التهميش وهذا الاقصاء عبر بيانات احتجاجية ، عبّر من خلالها عن استيائه مما وصفه بـ”الإقصاء غير المبرر” للمبدعين والفاعلين الثقافيين الناطقين بالأمازيغية .. وداعيا إلى اعتماد مقاربة أكثر شمولية وإنصافًا في تدبير التظاهرات الثقافية الكبرى، بما يضمن تمثيلية متوازنة تعكس غنى الهوية الثقافية المغربية، ويساهم في تعزيز الثقة بين الفاعلين الثقافيين والمؤسسات الرسمية. لكن لا حياة لمن تنادي كان يحضر التعبير عن الاحتجاج ويغيب تضامن الزملاء والاصدقاء سواء في الميدان او خارجه.. الا من رحم ربي..وبالتالي تغيب فعالية الاحتجاج وقوته…
لذلك لابد من توحيد الصفوف وتجاوز الخلافات والصراعات…والاتحاد من أجل نصرة الفنان الأمازيغي واجتثاثه من براثين التهميش والاقصاء واللامبالاة التي يعيشها وجعلته يواجه مصيرا مجهولا ويطلق صرخات الاحتجاج و….الاستغاثة..ويجب اعادة النظر بالتالي في التناقضات السلوكية التي يأكل فيها “بعضنا بعضاً” عياناً..
كما ان تعالي بعض”الفنانين” على زملائهم هو ظاهرة موجودة في الوسط الفني في الريف، وطبعا تتخذ أشكالاً مختلفة منها ما هو ظاهر وما هو خفي مثل “الحروب الباردة”…
اتذكر يوما عبر دردشة فيسبوكية مع صديق، قال لي ان صديقه “الفنان” الذي كان قد تم دعوته الى مهرجان ما خارج المدينة قال له ” انظر يا صديقي ، هنا تظهر قيمة الفنان بالمقارنة مع غيره ..انا تلقيت دعوة حضور المهرجان وهذا دليل على انني فنان ذات قيمة وليس كالبعض”!
هذا في الوقت الذي كان زملائه يملؤون استمارات الاحتجاج على إقصاء الفنانين الامازيغ من ذات المهرجان ….!! وبعد عام وجدت نفس “الفنان” يحتج عبر الفيسبوك لانه لم يتم استدعائه الى مهرجان في المدينة!!.
اعود واقول ان الفنان “الريفي” يتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية عن الواقع الذي يعيشه، سواء من خلال سلوكياته ، تقاعسه، أو احيانا خياراته…ونميل احيانا إلى إلقاء اللوم على الظروف أو “الزمان” أو المسؤولين، بينما العيب الحقيقي يكمن في تصرفاتنا ..
ومراجعة الذات هنا هي أولى..
نَعيبُ زَمانَنا وَالعَيبُ فينا … وَما لِزَمانِنا عَيبٌ سِوانا…وَنَهجو ذا الزَمانِ بِغَيرِ ذَنبٍ … وَلَو نَطَقَ الزَمانُ لَنا هَجانا.
ولو بدلنا كلمة واحدة في هذا البيت من تلك القصيدة المشهورة للامام الشافعي لانطبق على واقعنا فنحن نلوم “الآخر” والعيب فينا وما “للآخر” عيب سوانا!!
نحن الذين نختار هؤلاء الذين يتخذون القرارات لإقصائنا بإرادة يفترض انها حرة وبانتخاب حر مباشر فنوّكل من نريد لتمثيلنا او الدفاع عنا ، ثم ما نلبث ان ننقلب رأسا على عقب، ونطالب “بحلهم” بعد ان يخيب املنا بسبب سوء الاختيار، فنقول فيهم مالم يقله مالك في الخمر، متناسين ان العيب فينا وليس فيهم، فهذه هي اختياراتنا، ولكننا لانملك الجرأة بأن نواجه أنفسنا بهذه الحقيقة الموجعة.
صحيح ان مسألة إقصاء الفنان الأمازيغي لنفسه تُعد موضوعاً جدلياً يجمع بين انتقادات ذاتية داخل المشهد الفني الأمازيغي وبين تحديات خارجية هيكلية.لكن وجود “إقصاء ذاتي” هو الطاغي اكثر ..وطبعا إلى جانب معاناة حقيقية من التهميش…
خلاصة الحكاية..
الفنان الأمازيغي يجد نفسه اليوم بين مطرقة التحديات الهيكلية .. ضعف الدعم، التهميش الثقافي وسندان النواقص الذاتية منها غياب التجديد،غياب التضامن ،غياب اللقاءات وقبول الضعف الفني.. لذلك، لا يمكن إلقاء المسؤولية بالكامل على المسؤولين، ولكن “كسب الاعتراف” يتطلب تجاوز “الإقصاء الذاتي” عبر النضالات الحقيقية والتضامن و عبر الاحترافية، وفي الوقت ذاته، ضمان الحقوق والدعم من الجهات المعنية..
فليس كافيا بالمرة،ان نتحرك فقط في “المناسبات” ،ان نصب جم غضبنا على المسؤولين الذين ينهجون سياسة الاذان الصماء تجاه الفنانين الأمازيغيين فقط حين يطرأ طارئ، كأن لا يجد الفنان الأمازيغي فرص سانحة للاشتغال على مدار السنة بسبب اقصائه من كل الأعمال التليفزيونية و السلسلات الرمضانية التي ثبتها القنوات المغربية ولا يجد موطأ قدم له فيها,او حين لا يُستدعى لحضور الفعاليات والمناسبات والمهرجانات…..او ان نبقى نشتكي فقط من خلال الفيسبوك على التهميش والاقصاء الذي يعاني منه الفنان ونطالب من المسؤولين انصافنا ورد الاعتبار لنا وللفن الأمازيغي عموما.!!
وإلا فما دور الفنان كفاعل و ما دور الجمعويين وما دور الجمعيات المدافعة عن القضية الأمازيغية في ما يقع وما يعرفه الفن والفنان من تردي وهشاشة ،او انها تكتفي فقط بالاسترزاق على حساب القضية الأمازيغية واستغلال الفنان الأمازيغي في أنشطتها السنوية مقابل جني الأرباح والاغتناء وتحقيق المصالح الشخصية في حين أن في وقت الظرفيات الحرجة التي تستلزم خروجها للدفاع عن حقوق الفنانين المهضومة تلتزم الصمت .
كلنا نحتاج إلى إعادة النظر في علاقاتنا وفي الكثير من شؤوننا وأحوالنا، نحتاج أن نراجع أنفسنا سواء فشلنا أو نجحنا؛ نبحث عن أسباب الفشل ونعالجها، ونرى جوانب النجاح التي حققناها ونحافظ عليها بل ونحاول أن نزيد منها.
نحاسِب أنفسنا قبل أن نحاسَب….
ام اننا لانملك الجرأة بأن نواجه أنفسنا بهذه الحقيقة الموجعة.!؟
ا







