” ريف رس” 9 ابريل 2026
بمناسبة مرور مائة عام على انتهاء حرب الريف، صدر للباحث المبارك الغروسي، عن منشورات الجمعية المغربية للباحثين في الرحلة وبدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل (2026)، ضمن سلسلة “نصوص رحلية محققة” (العدد 4)، كتاب “في الريف” باللغة الفرنسية، وهو إصدار مرجعي ثلاثي يرصد تقاطعات البعد الإنساني والسياسي في المراحل الأخيرة من هذا الصراع المفصلي في تاريخ المغرب الحديث.
ويعيد هذا العمل إلى الواجهة وثائق أصلية من الدرجة الأولى، ترتبط بنهاية حرب الريف، من خلال ثلاثة مصنفات متكاملة:
يتضمن المصنف الأول “Au Riff (في الريف)” يوميات ومذكرات بيير باران خلال رحلتيه إلى المنطقة سنة 1926، حيث جمع بين البعدين الإنساني والسياسي. وكان باران، وهو من معطوبي الحرب العالمية الأولى ورئيس الفيدرالية الفتية للمعطوبين وقدماء المحاربين بالمغرب، قد حل بالريف في مهمة ذات طابع إنساني ظاهري تمثلت في زيارة الأسرى الفرنسيين والإسبان، غير أنها لم تخل من أبعاد تفاوضية، في سياق اقتراب الحرب من نهايتها.
ويقدم باران شهادة حية عن تفاصيل تلك المرحلة، واصفًا صعوبة الوصول إلى مناطق الريف، وحياة الأسرى الأوروبيين وظروف احتجازهم في عدد من المواقع، كما يوثق لقاءاته مع الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي وشخصيات قيادية ريفية، مسلطًا الضوء على مواقفهم من الاستعمار، ومنددًا باستخدام الجيش الإسباني للغازات السامة ضد المدنيين.
أما المصنف الثاني “A Travers le Rif en guerre (عبر الريف أثناء الحرب)”، فيضم تقارير صحفية لأوغست مونتاني، أرسلها من قلب الأحداث إلى جريدة “لوفر”. ويتميز مونتاني، الضابط السابق، بقراءته الميدانية والتحليلية العميقة، حيث قدم صورة مغايرة للخطاب الاستعماري، مبرزًا تنظيم المجتمع الريفي واحترامه للقوانين والعادات في ظل قيادة عبد الكريم الخطابي، كما انتقد الممارسات العسكرية غير الإنسانية، مثل القصف العشوائي واستعمال الأسلحة الكيماوية.
وسلطت هذه التقارير الضوء أيضًا على التأثيرات النفسية والاجتماعية للحرب، وعلى طبيعة العلاقة بين الأسرى وسكان الريف، بل وأسهمت عمليًا في الإفراج عن بعض الأسرى الفرنسيين في حالات حرجة.
ويأتي المصنف الثالث ليجمع شهادات مؤثرة لأسرى أوروبيين، تشكل مادة توثيقية غنية تعكس معاناة الاحتجاز ومشاعر الخوف والصمود، إلى جانب التوترات وسوء الفهم بين الأسرى وآسريهم. وقد قام الغروسي بجمع هذه الشهادات من الصحافة الفرنسية آنذاك، وإعادة ترتيبها بما يمنح صورة إنسانية نادرة عن تجربة الأسر خلال الحرب.
وفي المجمل، يقدم هذا الإصدار رؤية متعددة الأصوات، تتجاوز السرديات الأحادية، وتعيد قراءة حرب الريف باعتبارها تجربة إنسانية معقدة، عاشها أفراد بمشاعرهم ومعاناتهم المختلفة.
ويبرز هذا العمل كمرجع مهم للباحثين والمهتمين بتاريخ الريف والمقاومة، لما يقدمه من مادة دقيقة وموثقة، تفتح آفاقًا للتفكير في قضايا الحرب والذاكرة والإنسان، مؤكدًا أن هذا الإصدار يتجاوز مجرد التأريخ، ليشكل تقاطعًا بين الأرشيف والشهادة والتحليل النقدي في سياق مئوية نهاية حرب الريف.










