“ريف رس” 29 مارس 2026
مصطفى تلاندين
في مشهد يثير العديد من علامات الاستفهام، بات واقع بعض مجالات الفن والإبداع يعكس صورة قريبة من قسم دراسي يفتقر إلى التميز، حيث يجد الأستاذ نفسه مضطرًا لمنح نقطة لتلميذ لا يستحقها، فقط بسبب تدني المستوى العام وغياب من يبلغ عتبة الاستحقاق. هذه الصورة الرمزية تختزل، إلى حد بعيد، ما تشهده الساحة الفنية في بعض الأحيان.
ففي ظل محدودية الأعمال القوية من حيث الجودة والابتكار، تشهد بعض التظاهرات الفنية تتويج أعمال سينمائية ومسلسلات تلفزيونية لا ترقى إلى مستوى تطلعات الجمهور، سواء على مستوى السيناريو أو الإخراج أو الأداء التمثيلي واختيار الأدوار. ويُعزى هذا الوضع، في كثير من الأحيان، ليس إلى تميز هذه الأعمال، بقدر ما هو نتيجة غياب منافسة حقيقية تفرز بدائل أفضل.
ويطرح هذا الواقع إشكالية حقيقية تتعلق بمعايير التقييم وآليات الانتقاء، حيث يتحول التتويج من اعتراف بالجودة إلى مجرد اختيار “الأقل ضعفًا”، وهو ما ينعكس سلبًا على صورة الإنتاج الفني، ويفرغ الجوائز من قيمتها الرمزية، خاصة في ظل تطلع الجمهور إلى أعمال تعكس غنى الثقافة وتطورها.
وفي الوقت الذي يعلّق فيه المتتبعون آمالًا كبيرة على ازدهار المشهد الثقافي وتعزيز حضور الهوية واللغة، تصطدم هذه التطلعات بأعمال لا تواكب هذا الطموح، بل قد تسيء إليه، ما يوسع الفجوة بين انتظارات الجمهور والواقع الفني.
ومن جانب آخر، يزداد المشهد تعقيدًا مع طريقة التعامل مع الأصوات الناقدة، حيث يواجه بعض النقاد اتهامات جاهزة، من قبيل عدم دعم الإنتاج المحلي أو التشكيك في النوايا. غير أن مختصين يؤكدون أن النقد الموضوعي يظل عنصرًا أساسيًا في تطوير أي مجال إبداعي، باعتباره أداة للتقويم والبناء لا للهدم.
ويزيد من حدة هذا الجدل ما يُوصف أحيانًا بـ”صناعة التتويجات الوهمية” أو خلق أبطال بلا رصيد فني حقيقي، خاصة عندما يتم تتويج أعمال يُجمع كثيرون على تراجع مستواها الفني والتقني. ويطرح هذا الأمر تساؤلات حول دوافع هذه الاختيارات: هل هي مجاملة وجبر للخواطر؟ أم محاباة؟ أم مجرد محاولة للتشجيع؟
كيفما كانت الإجابة، فإن المؤكد أن هذا النوع من التتويجات قد يساهم في تضليل الرأي العام، ويشجع على التراخي بدل التحفيز، وهو ما يتعارض مع الهدف الأساسي لأي جائزة فنية تسعى إلى تكريس الجودة والتميز.
وفي ظل هذه التحديات، يظل الرهان قائمًا على ضرورة الارتقاء بمعايير الإنتاج والتقييم، وتشجيع منافسة حقيقية قادرة على إفراز أعمال فنية تعكس غنى الإبداع، وتستجيب لتطلعات جمهور يتطلع إلى الأفضل.







