الرئيسية / مساحة حرة / في حضرة الصوت… سيرة طفولة على موجات الأثير
مساحة حرة

في حضرة الصوت… سيرة طفولة على موجات الأثير

2026-02-13 17:51 2 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس” 13 فبراير 2026

الأستاذ محمد يوزكو يكتب..

في اليوم العالمي للراديو… ذلك الصديق الذي علّمنا الخيال وصنع الحكايات…

في مثل هذا اليوم، 13 فبراير، يحتفل العالم بالراديو…

وأنا أحتفل بذاكرتي.

كان الراديو صديقاً أنيساً لطفولتي، ونافذتي الصغيرة على عالم واسع لم أكن أراه، لكنني كنت أعيشه بكل تفاصيله.

أعقِرُ أنني في صباحي الجمعة والأحد، كنت أستيقظ باكراً، أمتطي حمارنا وأتجه نحو الوادي لجلب الماء. أضع الراديو الصغير بين ركبتيّ، وأصغي إلى برنامج جنة الأطفال عبر الإذاعة الجزائرية.

كان الحمار يعرف الطريق وحده، يسير بثقة متراً متراً، صامتا وكأنه كان يستمع معي ويستمتع بصوت ماما نجوى الحنون وهي تخاطب الأطفال الصغار… وكنت أنا بين الفينة والأخرى أرحل بعيداً، تحملهني الأصوات إلى فضاءات لا حدود لها.

عند الظهيرة، لم أكن أفوّت المسلسلات الإذاعية، وعلى رأسها سيرة سيف بن ذي يزن، حيث كانت المغامرة تمتزج بالحكمة، ويصير الصوت بطلاً، والكلمة سيفاً، والخيال مملكة كاملة.

وفي أمسيات الصيف، كان سطح المنزل ملاذي الهادئ. أستلقي على ظهري، أضع الراديو على صدري، وأراقب النجوم تسبح في السماء. هناك، كان الخيال ينفلت بحرية، يتمدد في الفضاء، ويجوب الموجات القصيرة والطويلة والمتوسطة، كأن الأثير بحرٌ وأنا أبحر فيه بلا حدود.

لم يكن الراديو مجرد جهاز…

كان بوابة…

كان مدرسة…

كان منبع الخيال… وتقوية الذاكرة…

كان جسراً بين قريتي المنعزلة هناك في آيث سعيذ والعالم.

عبره، كانت أمي تتابع إذاعة ثيطّاوين وإذاعة ن تمازيغت القادمة من الرباط، فنستمع معاً إلى أغنياتنا التراثية بصوت يامنة الخماري والشيخ مونشيف، وموذروس وميمونت ن سروان وغيرهم من الأصوات التي حفظت الذاكرة الجماعية للريف.

كان الراديو يحمي لغتنا من الذوبان، ويمنح تراثنا فرصة للبقاء.

في زمن الصورة السريعة، يبقى للراديو سحر خاص… سحر يجعل المستمع شريكاً في الخلق، لا مجرد متلقٍّ… فهو لا يعطينا الصورة جاهزة، بل يترك لنا متعة تخيّلها.

في هذا اليوم العالمي للراديو، لا أحتفل بجهاز قديم، بل أحتفل بزمن كان الصوت فيه يكفي ليصنع عالماً كاملاً.

نعم، لولا الراديو لفقدنا كثيراً من ملامحنا الثقافية…

ولفقدتُ أنا جزءاً من طفولتي التي ما زالت تسكن موجاته حتى اليوم.

وربما لولا الراديو لما استطاع خيالي أن يكبر… وينمو… وأكتب ما أكتبه اليوم…

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *