” ريف رس” 15 دجنبر 2025
بقلم: جمال الغازي/ ألمانيا
في حياة كل واحد منا شخصيات لا تمر مرور العابرين، بل تترك اثرها العميق في الذاكرة والوجدان. اشخاص يشبهون الجذور، كلما ابتعدنا اعادتنا اليهم مشاعر الحنين والوفاء. ومن بين هذه الشخصيات التي تشرفت بمعرفتها، اقدم في هذا الجزء الثاني من سلسلة شخصيات ناظورية تعرفت عليها شخصية فذة، اكن لها محبة صادقة، واسال الله ان يرزقها الصحة وطول العمر، انه محمد والناصر كما عرفته صديقا واخا وانسانا.
محمد والناصر ليس مجرد صديق عابر في دروب الحياة، بل هو من اعز الناس الي، تجمعني به صداقة متينة وصلة دم راسخة. هو اقدم اصدقائي، رفيق الطفولة الذي ظل حاضرا في حياتي منذ البدايات الاولى، ولم تنقطع بيننا خيوط الود رغم تقلبات الزمن. عشنا معا اغلب مراحل الطفولة والشباب، نتقاسم اللعب والاحلام، ونكتشف العالم خطوة خطوة.
كانت العلاقة بين عائلتينا علاقة دفء وانسانية، تتجسد في زيارات متبادلة ومودة صادقة. وقد جمعت جدتي رحمة بعمتي فاظمة علاقة قوية، قائمة على النقاء والمحبة، فكان لذلك اثر بالغ في توثيق الروابط بيننا، وكاننا عائلة واحدة.
مع محمد عشت البدايات الاولى للعبة الشطرنج في مدينة الناظور اواخر السبعينات وبداية الثمانينيات، في مقهى مطل على شارع محمد الخامس. هناك، بين هدوء التفكير وحركة القطع، بدأت تظهر ملامح نبوغه المبكر في التحليل الرياضي والمنطق العقلي.
كما قضينا اوقاتا ممتعة ذهابا وايابا بين شارع نبحار (الزرقطوني)، رفقة اصدقاء المرحلة سلامي، بومهدي، نيبو، والجاري، شكيبي … اعراب. بعد الخروج من المدرسة في المساء، كنا نجتمع في اجواء طاهرة وحميمية، نحلل الفروض الاعدادية والثانوية، تارة في المقاهي وتارة في قاعة جمعية الانطلاقة الثقافية. كانت تلك الجلسات مزيجا من الترفيه والتعلم، ومن الصداقة والمعرفة.
مارسنا كذلك لعبة الكرة القدم ونحن صغار في فضاء الشبيبة والرياضة زمن السبعينات مع اصدقاء المرحلة اذكر منهم على سبيل الحصر كل من والناصر ، مقدم عبد الحميد، رشيد لمريني ، لطفي العماري و بنتلى و المرحوم مصطفى ازواغ…الخ
معرفتي بمحمد ضاربة في عمق الزمن. كان زميلي في ثانوية الكندي، ثم في ثانوية عبد الكريم الخطابي، قبل ان ينتقل الى وجدة بعد توجيهه الى شعبة العلوم الرياضية. واصل مساره الجامعي في الرباط، ثم في فرنسا، حيث استكمل دراسته العليا وحصل على الدكتوراه في الرياضيات. ولم يكن هذا التفوق مفاجئا، فمنذ طفولته كان نابغة في التحليل الرياضي، يمتلك عقلا متقدا وصبرا علميا نادرا.
تاثر محمد كثيرا بجدته، خاصة في ما يتعلق بالهوية الامازيغية، فنهل من رصيدها الثقافي والتاريخي الغني. كما ورث عن والدته رحمها الله الحنان والمودة وسعة القلب، وعن والده خالي ميمون رحمه الله تعلم ان الحياة ليست سهلة، وان التجارب القاسية تصنع الانسان القوي الصابر.
كانت علاقتي بمحمد متينة وصلبة، كما كانت مع اخيه عبد الحميد رحمه الله، الذي كان يتولى في ايام بوبلاو ذبح وسلخ الاضاحي في بيتنا، وهي الحرفة التي تعلمها باتقان من والده الجزار المحنك، فكان مثالا في الاخلاص والعمل المتقن.
ومع محمد عشت شغف الشباب بالسينما، في سينما الريف وسينما فيكتوريا، بين افلام متنوعة من The Exorcist الى Conan، ومن افلام بروس لي الى عوالم المغامرة والخيال. كانت السينما متنفسا لاحلامنا، ونافذة نطل منها على عوالم اوسع.
محمد استاذ جامعي متمكن تخرج على يديه عدة اسماء وازنة، مربي اجيال، هو ذاكرة مشتركة، يعرف عني الكثير كما اعرف عنه الكثير. جمعتنا التفاصيل الصغيرة قبل الاحداث الكبيرة، واللحظات البسيطة قبل المنعطفات الحاسمة.
وكانت وفاة اخيه الاكبر عبد الحميد رحمه الله مناسبة حزينة لكنها اعادت لقاءنا بعد فراق طويل فرضته ظروف الحياة. التقينا مرة صدفة قرب مسجد لعراصي، تعانقنا بحرارة، استعرضنا ذكرياتنا الماضية ثم تعاهدنا على ان يستمر التواصل كما كان دون انقطاع.
من لا يعرف محمد لا يعرف معنى الانسانية والتواضع، ولا يدرك سعة صدر الانسان الريفي ونقاءه. فهو ينتمي الى قبيلة اعشوشن ايت اوريشك، من منطقة تسمى لعسارة، ويحمل في سلوكه قيم الارض والهوية.
محمد ايضا من قدماء مدرسة ابن خلدون، وقد انشا صفحة خاصة بها على موقع فيسبوك بعد نقاش جمعنا في الناظور. كان حلمه كما اخبرني يوما انشاء جمعية لقدماء تلاميذ ابن خلدون، وقد ساندته وشجعته على هذه الفكرة ايمانا بدور الذاكرة الجماعية في ربط الاجيال.
وفي تواصله الاجتماعي يظل محمد مثالا للانسان المثقف المتواضع، حاضر بلباقته، كريم في تعامله، لا يبخل بالنصيحة، ولا يتاخر عن السؤال، يجمع بين عمق الفكر وبساطة القلب.
ان سيرة محمد والناصر ليست مجرد حكاية صداقة، بل درس في الوفاء، وفي كيف تصنع القيم الانسان قبل الشهادات. تعلمت من هذه العلاقة ان الصداقة الحقيقية لا يغيرها البعد، وان الجذور الصادقة تظل ثابتة مهما عصفت بها رياح الحياة. فطوبى لمن حافظ على انسانيته وتواضعه، وجعل من مسيرته مرآة صافية تعكس اجمل ما في الانسان.
توقيع من تنعته
ثوماتينو







