الرئيسية / مساحة حرة / الآثار التاريخية في وسط مدينة الناظور.. ذاكرة تُهدم تحت أعيننا
مساحة حرة

الآثار التاريخية في وسط مدينة الناظور.. ذاكرة تُهدم تحت أعيننا

2025-07-14 20:07 3 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس” 14 يوليوز 2025

جمال الغازي/ألمانيا

تُعتبر المآثر التاريخية ركيزة أساسية في بناء الهوية الثقافية للمدن، ووسيلة فعالة لجذب الزوار والسياح من داخل الوطن وخارجه. فهي ليست مجرد جدران صامتة، بل نوافذ مفتوحة على الماضي، تحمل بين طياتها تفاصيل الحياة، والتحولات الكبرى التي عرفتها المجتمعات في مختلف مراحلها. ومدينة الناظور، رغم حداثة نشأتها مقارنة بمدن عريقة كمكناس أو فاس…مراكش، إلا أنها كانت تضم معالم ذات قيمة رمزية وتاريخية كبيرة، خاصة تلك التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية الإسبانية.

غير أن الواقع الذي تعرفه هذه المدينة اليوم يكشف عن موقف سلبي تجاه ماضيها المادي والمعماري. فغالبا ما يتم التعامل مع هذه الآثار بمنطق أخلاقي ضيق من يقول كانت مقرا للسكر والخمر كما سمعنا من البعض على كاسا ابيسكا، يُقيّمونها من خلال ثنائية “الحلال” و”الحرام”، أو يُحمّلها عبء ماض استعماري بئيس، دون اعتبار لقيمتها التوثيقية والثقافية. والحقيقة أن كل معلم تاريخي، مهما كانت خلفيته، يحتل مكانة خاصة في الذاكرة الجماعية، ويعكس مرحلة مهمة من ذاكرة المدينة لا ينبغي طمسها، بل فهمها وتأطيرها ضمن مسار تطورها التاريخي.

من بين المعالم التي أثارت نقاشا واسعا في السنوات الأخيرة، نذكر الكلوب البحري الذي كان يطل على البحر في قلب المدينة. حين دافع بعض الفاعلين الجمعويين والنشطاء الثقافيين عن ضرورة الحفاظ عليه، قيل لهم: “إنه مَعلم استعماري، بناه المستعمرون وارتاده المستعمرون.” وكأن هذه الخلفية لوحدها كافية للحكم عليه بالهدم! هذا المنطق يغفل أن الحفاظ على المعالم لا يعني تمجيد من بناها، بل توثيق المراحل التي مرت بها المدينة، سواء كانت مشرقة أو مظلمة. فكل معلم قديم يحمل في طيّاته حكاية عن المكان، وأثرا في النفوس، وملمحا من الذاكرة الجمعية لا يُعوّض.

وفي وقت اختارت فيه مدن مجاورة مثل الحسيمة، وجدة، وتطوان إعادة ترميم معالمها التاريخية، بل وتحويلها إلى مراكز ثقافية أو فضاءات سياحية، فضّلت الناظور – للأسف – سياسة الإهمال أو التدمير. فقد تم بيع بعض هذه المعالم للخواص أو أُقنع الرأي العام بأنها “آيلة للسقوط”، فكان مصيرها الإعدام المعماري دون بديل او ترميم أو حفظ للأثر.

اليوم، كلما مررنا من وسط المدينة، لا نرى سوى فراغات إسمنتية محل مبان كانت تُغني المشهد الحضري وتمنحه طابعا مميزا. فراغ في المكان، وفراغ أعمق في الذاكرة. وما تبقّى من معالم، إن وُجد، لا يحظى بأي حماية قانونية أو اهتمام مؤسساتي.
فالمآثر التاريخية ليست عبئا يجب التخلص منه، بل كنز يجب صونه. إنها رواية وقصة المدينة، وسجلّها الذي لا يُعاد إن هُدم أو بيع. آن الأوان لإعادة النظر في طريقة تعاملنا مع تاريخنا، وفهم أن الهوية لا تُبنى فقط بالمشاريع الإسمنتية، بل أيضا بالاعتراف بما كان، وحفظ ما تبقّى منه.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *