” ريف رس ” 3 نوفمبر 2026
كاميليا ـ ه
يبدو أن مدينة الناظور أصبحت تعيش على إيقاع الاجتماعات أكثر مما تعيش على إيقاع الإنجازات، فكلما حاول مواطن الوصول إلى مسؤول لقضاء غرض إداري أو وضع شكاية أو الاستفسار عن ملف عالق، اصطدم بالجواب نفسه تقريباً: «المسؤول في اجتماع»!
تتوجه إلى رئيس الأمن، فيقال لك إنه في اجتماع. تقصد مقر الباشوية بحثاً عن الباشا، فتكتشف أنه انتقل إلى العمالة لحضور اجتماع آخر. تحاول الوصول إلى رئيس المجلس الجماعي، فتجد أن جدول أعماله بدوره مزدحم بالاجتماعات. وهكذا يجد المواطن نفسه تائهاً بين المكاتب والممرات، يطارد مسؤولين يبدو أن الاجتماعات أصبحت عنواناً دائماً لحياتهم الإدارية. ويبدو أن الناظور أصبحت عاصمة الاجتماعات.. المسؤولون يتشاورون والمواطنون ينتظرون.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا، وبكل إلحاح، إذا كان مسؤولو الناظور يقضون كل هذا الوقت في الاجتماعات، فعلى ماذا يجتمعون بالضبط؟ وما حجم الملفات التي يناقشونها؟ والأهم من ذلك كله، أين هي النتائج التي يفترض أن تترجم هذه اللقاءات إلى واقع ملموس؟
هل يعقل أن تستمر الاجتماعات تلو الاجتماعات، بينما لا يجد المواطن من ينهي له معاملة إدارية، أو يستمع إلى شكايته، أو يقدم له جواباً واضحاً بشأن ملف ينتظر تسويته منذ أسابيع وربما أشهر؟ وهل أصبحت الاجتماعات غاية في حد ذاتها، بدل أن تكون وسيلة لاتخاذ القرارات وتسريع معالجة المشاكل؟
المثير للاستغراب أن المواطن لا يرى من هذه الاجتماعات سوى أبواب مغلقة ومواعيد مؤجلة وعبارة محفوظة تتكرر كلما طرق باب مسؤول: «راه في اجتماع». أما الشكايات فتظل معلقة، والمصالح تتعطل، والملفات تتراكم، وصاحب الحاجة مطالب بالعودة في يوم آخر، وكأن وقته لا قيمة له، وكأن مسؤولياته والتزاماته يمكن تعليقها إلى أجل غير مسمى بسبب انشغال المسؤولين.
لسنا ضد الاجتماعات، ولا أحد ينكر أهميتها في التنسيق والتشاور واتخاذ القرارات، لكن ما يثير الاستياء هو أن تتحول إلى شماعة جاهزة لتعطيل مصالح الناس، وأن يصبح الانشغال الدائم بالاجتماعات مبرراً لغياب التواصل والاستقبال والتفاعل مع انتظارات المواطنين.
فما جدوى اجتماع يناقش فيه المسؤولون مشاكل المدينة إذا كان المواطن سيغادر المؤسسة دون أن يشعر بأي تغيير في حياته اليومية؟ وما قيمة عشرات اللقاءات إذا ظلت الأرصفة محتلة، والنفايات منتشرة، والشكايات بلا جواب، والخدمات الإدارية تسير بمنطق «ارجع غداً»؟ وأي حصيلة يمكن الحديث عنها إذا كان المواطن لا يرى سوى استمرار المشاكل نفسها، رغم كثرة الاجتماعات وتعدد المشاركين فيها؟.
ثم إن المسؤولية الإدارية لا تعني الحضور إلى الاجتماعات فقط، بل تقتضي أيضاً تخصيص الوقت لاستقبال المواطنين، والاستماع إلى انشغالاتهم، وتوفير آليات واضحة لمعالجة شكاياتهم. فليس من المقبول أن يتحول الوصول إلى مسؤول عمومي إلى مهمة شاقة تتطلب الحظ والصبر وتكرار الزيارات، وكأن المواطن يطلب امتيازاً شخصياً، لا يمارس حقاً مشروعاً في التواصل مع الإدارة.
وإذا كانت الاجتماعات ضرورية، فإن نتائجها ينبغي أن تكون أكثر ضرورة. وإذا كانت الملفات المطروحة على طاولاتها مهمة، فإن مصالح المواطنين لا تقل أهمية عنها. فالمواطن الذي ينتظر تسوية وضعيته أو معالجة تظلم أو الحصول على وثيقة لا تعنيه الصور الجماعية ولا محاضر الاجتماعات ولا عناوين اللقاءات، بل يعنيه أن يجد من يتحمل مسؤوليته ويقدم له جواباً وحلاً داخل آجال معقولة.
كفى اجتماعات من أجل الاجتماعات، وكفى تبريراً لتعطيل مصالح المواطنين باسم التنسيق والتشاور. نريد مسؤولين متاحين للناس، لا مسؤولين لا يجد المواطن لهم أثراً إلا في صور الاجتماعات. نريد قرارات تنفذ، وشكايات تعالج، وملفات تتحرك، لا أجندات مزدحمة ومواطنين يزدادون إحباطاً في ممرات المؤسسات العمومية.







