” ريف رس ” 27 اكتوبر 2026
تحولت الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها مدينة ميلانو الإيطالية، على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة وتفاقم أزمة السكن وتراجع القدرة الشرائية، إلى محور تحقيقات أمنية وقضائية امتدت إلى الفضاء الرقمي، بعدما أوقفت السلطات الصحافي والباحث يوسف سيهر، البالغ من العمر 30 سنة والمنحدر من أصول مغربية، للاشتباه في اضطلاعه بدور رئيسي في إدارة حركة «17 أكتوبر»، التي برزت عبر منصات التواصل الاجتماعي عقب الاضطرابات التي رافقت تلك الاحتجاجات.
وأفادت وسائل إعلام إيطالية، من بينها وكالة الأنباء «أنسا»، بأن توقيف سيهر جرى يوم 24 أكتوبر الجاري، في إطار تحقيق تشرف عليه النيابة العامة بمدينة ميلانو، للاشتباه في توليه إدارة الحسابات والمنصات الرقمية المرتبطة بالحركة، واستخدامها في تعبئة الشباب والتحضير لتحركات احتجاجية جديدة.
وأضافت التقارير ذاتها أن زوجة المشتبه فيه تخضع بدورها للتحقيق في القضية، دون أن يتم توقيفها، إذ تتابع السلطات تحرياتها لتحديد طبيعة الأدوار التي اضطلع بها الأشخاص المرتبطون بالنشاط الرقمي للحركة، والكشف عن مدى مساهمتهم في تنظيم الاحتجاجات والدعوة إلى استئنافها.
وتعود خلفيات هذه القضية إلى التحركات الاحتجاجية التي شهدتها ميلانو يومي 17 و18 أكتوبر الجاري، في سياق اجتماعي اتسم بتنامي الاستياء من ارتفاع الأسعار، وصعوبة الحصول على السكن، وتراجع القدرة الشرائية. وقد تزامنت هذه الاحتجاجات مع اضطرابات وأعمال تخريب ومواجهات، دفعت السلطات الإيطالية إلى فتح تحقيقات بهدف تحديد المسؤوليات، والتمييز بين التعبير السلمي عن المطالب الاجتماعية والأفعال التي قد تندرج ضمن جرائم يعاقب عليها القانون.
وفي خضم هذه التطورات، برزت حركة «17 أكتوبر» من خلال حسابات على منصات التواصل الاجتماعي وقنوات على تطبيق «تلغرام»، مقدمة نفسها إطارا لتعبئة الشباب حول قضايا اجتماعية واقتصادية. غير أن المحققين يشتبهون في أن نشاطها الرقمي تجاوز حدود التعبير عن الغضب إزاء ارتفاع تكاليف المعيشة، ليشمل الدعوة إلى تنظيم تحركات احتجاجية جديدة في عدد من المدن الإيطالية.
ودفعت هذه الشبهات الأجهزة المختصة إلى تتبع المنشورات والحسابات المرتبطة بالحركة، في محاولة لتحديد هوية الأشخاص الذين يُعتقد أنهم يتولون إدارتها، والكشف عن طبيعة الأدوار التي أدّوها في التعبئة الرقمية وتوجيه الدعوات إلى الاحتجاج.
ووفق ما أوردته الصحافة الإيطالية، فقد أسفرت التحريات عن الاشتباه في اضطلاع سيهر بدور محوري في إدارة المنصات المرتبطة بالحركة، بالتزامن مع تداول دعوات إلى مواصلة الاحتجاجات خلال يوم 24 أكتوبر، وهو التاريخ الذي شهد توقيفه.
ولم يقتصر الاهتمام الإعلامي بالقضية على ارتباطها بالاحتجاجات الاجتماعية والأنشطة الرقمية، بل امتد أيضا إلى المسار الأكاديمي والمهني للمشتبه فيه، الذي سبق له دراسة علوم الاتصال والعلوم السياسية بجامعة ميلانو، قبل أن يوجه اهتمامه البحثي إلى قضايا الجيوسياسة والحركات الإسلامية وشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
كما سبق لسيهر أن تدرب لدى المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، المعروف اختصارا باسم «إسبي»، وعمل صحافيا مستقلا، متعاونا مع عدد من المنابر الإعلامية الإيطالية، من بينها صحيفة «إل فاتّو كوتيديانو»، وهي معطيات أضفت على القضية بعدا إضافيا بالنظر إلى خلفيته المهنية والأكاديمية.
وفي انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات الجارية، تظل الوقائع المنسوبة إلى سيهر في نطاق الاشتباه، في غياب أي حكم قضائي نهائي يدينه. كما أن المعطيات المنشورة إلى حدود الآن لا تتيح الجزم بأن حركة «17 أكتوبر» كانت وحدها وراء الاضطرابات التي عرفتها ميلانو، أو بأن جميع المشاركين في الاحتجاجات المرتبطة بغلاء المعيشة كانوا منخرطين فيها.
وبين تصاعد الغضب الاجتماعي واتساع دور المنصات الرقمية في تعبئة المحتجين، تبقى نتائج التحقيقات والأدلة التي تجمعها النيابة العامة، إلى جانب ما ستسفر عنه الإجراءات القضائية المقبلة، العامل الحاسم في تحديد طبيعة الأفعال المشتبه فيها، ومدى مسؤولية الأشخاص المعنيين عنها.






