” ريف رس” 1 اكتوبر 2026
جمال الغازي
منذ مدة وأنا أبحث في تاريخ مدينة الناظور، وفي أسماء رجالاتها وأماكنها التي تحمل ذاكرة عميقة لا تزال حاضرة في وجدان أهلها. ومن بين الأسماء التي أثارت فضولي اسم الولي المعروف اليوم عند أبناء المنطقة بـ سيدي علي نبحار، والذي يعرف كذلك باسم سيدي عري.
حاولت، من خلال البحث في المصادر المغربية والإسبانية والفرنسية، أن أقترب من حقيقة هذا الرجل، لا من خلال الروايات المتداولة فقط، وإنما بالعودة قدر الإمكان إلى الوثائق والمراجع القديمة، ومقارنة ما ورد فيها بما حفظته الذاكرة المحلية.
ومن أهم ما عثرت عليه وثيقة فرنسية تعود إلى سنة 1894، من تأليف H. de La Martiniere وN. Lacroix، تحت عنوان:
Documents pour servir a l’etude du Nord-Ouest africain.
وتذكر الوثيقة، عند وصفها للمنطقة الجنوبية من سبخة مارتشيكا، مقاما باسم:
Koubba de Si Ali El Hammam
أي قبة سيدي علي الحمام.
وتكتسب هذه الاشارة أهمية خاصة، لأنها من أقدم الشهادات المكتوبة التي عثرت عليها حتى الآن، وتثبت أن اسم سيدي علي الحمام كان معروفا في المنطقة منذ أواخر القرن التاسع عشر، وأن المقام كان مرتبطا بمحيط الساحل ومصادر المياه.
كما عثرت على دراسة أكاديمية للباحثة الإيطالية Cinzia Vismara حول الريف الشرقي الساحلي، نشرت سنة 2014 في مجلة Antiquites africaines. وتذكر الدراسة، عند حديثها عن الساحل الغربي لسبخة مارتشيكا، marabout de Sidi Ali el Hammam، أي مقام سيدي علي الحمام، ضمن المعالم الواقعة بين سيدي علي رطاس والناظور.
وهذا يعزز أن الاسم كان حاضرا في الوصف الجغرافي للمنطقة قبل الفترة الإسبانية بسنوات طويلة.
وفي الوثائق والدراسات المتعلقة بتاريخ الناظور خلال الفترة الإسبانية، وجدت كذلك اسم Sidi Ali El Hamman.
وتشير وثائق التخطيط الحضري في بدايات القرن العشرين إلى مقبرة المسلمين المعروفة باسم:
cementerio musulman de Sidi Ali El Haman
أي مقبرة المسلمين لسيدي علي الحمام.
كما وجدت في الدراسات التي تناولت المباني التاريخية للناظور بين 1909 و1956 مؤسسة تعليمية حملت اسم:
Escuela Ensenanza Media Sidi Ali Hamman
وهي المؤسسة التي أصبحت فيما بعد مقرا للمحاكم.
وبذلك يتضح أن الاسم ظل حاضرا في جغرافية الناظور خلال الفترة الإسبانية، وانتقل من مجرد تسمية مرتبطة بالمقام إلى تسمية استعملت في عدد من معالم المدينة.
أما في الذاكرة المحلية، فقد استقر اسم سيدي عري أو سيدي علي بوصفه الاسم الاكثر تداولا للمقام.
وتناولت الصحافة المحلية ضريح سيدي عري باعتباره من أشهر الأضرحة في الناظور، وربطت به الذاكرة الشعبية عددا من المعتقدات والممارسات المتعلقة بالشفاء والزواج والبركة.
كما ورد اسم حامة سيدي علي أو ثحمانت ن سيذي عري، وهي عين أو مصدر للمياه كان قريبا من الضريح وعلى شاطئ مارتشيكا، قبل أن تختفي معالمه نتيجة أشغال تهيئة المنطقة.
ومن هنا يمكن فهم احتمال ارتباط اسم الحمام بالماء أو بالعين الموجودة قرب المقام، لكنني لم أعثر على دليل قاطع يثبت أن الحمام كان لقبا شخصيا للولي نفسه، ولذلك أفضل إبقاء المسألة في إطار الاحتمال.
أما اسم سيدي علي نبحار، وهو الاسم الذي ارتبط في الذاكرة الحديثة بالبحر والبحارة، فقد وجدت له توثيقا واضحا في الصحافة المغربية.
ففي مقال نشرته جريدة Aujourd’hui Le Maroc بتاريخ 25 شتنبر 2008 بعنوان:
Sidi Ali Nebhar, le saint protecteur des marins
أي سيدي علي نبحار، الولي الحامي للبحارة.
يتحدث المقال عن ارتباط المقام بالبحارة والصيادين، وعن بعض العادات المرتبطة بالماء وطلب البركة قبل الخروج إلى البحر.
أما من الناحية اللغوية، فبحسب الاستعمال المحلي الذي يعرفه أبناء المنطقة، ترتبط كلمة نبحار بالبحر. ومع ذلك، لم أعثر حتى الآن على دراسة لغوية أكاديمية تحسم أصل الكلمة واشتقاقها، ولذلك أفضل ألا أجزم بما لم أجد عليه سندا علميا.
وهنا يبرز السؤال الذي دفعني أساسا إلى هذا البحث: من كان سيدي علي نبحار؟
بعد جمع المصادر ومقارنتها، لم أعثر حتى الآن على وثيقة تاريخية حاسمة تحدد اسمه الكامل أو نسبه أو قبيلته أو موطنه الأصلي، كما لم أجد تاريخا مؤكدا لميلاده ووفاته أو معلومات موثقة عن شيوخه وتلاميذه أو العصر الذي عاش فيه.
أما الروايات الشعبية، فهي متعددة.
فمنها رواية تقول إنه عاش قبل الاحتلال الإسباني لمليلية، وإنه قاوم الوجود الأجنبي، قبل أن يدفن في المكان الذي يوجد فيه مقامه اليوم. وهي رواية لها حضور في الذاكرة المحلية، لكنني لم أعثر على وثيقة مستقلة تثبتها.
وفي المقابل، وجدت مصدرا محليا ينسب سيدي علي إلى عهد السلطان مولاي إسماعيل، ويذكر أن والدته كانت تقيم في سلوان، غير أن هذه المعلومة وردت أيضا في إطار ما تداولته الذاكرة الشعبية.
وبين الروايتين فارق زمني كبير، لذلك لا أرى من المنهجي اعتماد إحداهما دون سند أقوى.
وفي مثل هذه الحالات، أعتقد أن الباحث مطالب بأن يميز بين ما تثبته الوثيقة وما تحفظه الذاكرة، وأن يقول ببساطة: لا اعرف بعد.
ومهما بقي من غموض حول شخصية سيدي علي، فإن مقامه ارتبط على مدى زمن طويل بمارتشيكا والماء والبحر والبحارة والصيادين، وأصبح جزءا من ذاكرة سكان الناظور وعلاقتهم بالمكان.
وتحفظ الذاكرة الشعبية كذلك تفاصيل عن البحارة الذين كانوا يقصدون المكان ويستفيدون من مصدر المياه القريب منه، قبل الخروج إلى البحر. وهذه الروايات، حتى عندما لا يمكن إثباتها كلها بالوثائق، تبقى ذات قيمة لفهم الحياة الاجتماعية والثقافية لأهل المنطقة.
وفي سياق البحث وجدت أيضا استعمالا حديثا لعبارة ضريح سيدي عري نبارك في بعض الكتابات التي تستعيد ذاكرة أماكن الناظور القديمة.
وهذه التسمية تفتح بدورها سؤالا آخر حول أصل كلمة نبارك، وهل هي جزء من الاسم القديم أم تعبير محلي ظهر في مرحلة لاحقة. ولا أملك حتى الآن ما يكفي للحسم في ذلك.
ومن خلال ما توصلت إليه، أستطيع القول إن مقام سيدي علي ارتبط عبر الزمن بعدة تسميات، من بينها سيدي علي الحمام، وسيدي علي، وسيدي عري، وسيدي علي نبحار، مع بقاء العلاقة الدقيقة بين هذه التسميات في حاجة إلى مزيد من البحث.
أما المؤكد بالنسبة لي فهو أن اسم سيدي علي الحمام موثق في المصادر المكتوبة منذ سنة 1894 على الأقل، وأنه استمر في جغرافية الناظور خلال الفترة الإسبانية، بينما أصبح سيدي عري من الاسماء المتداولة محليا، ثم ظهر في المصادر الحديثة اسم سيدي علي نبحار المرتبط بالبحر والبحارة.
أما هوية الولي نفسه، واسمه الكامل ونسبه والعصر الذي عاش فيه، فما زالت تحتاج إلى بحث أعمق في الأرشيف الإسباني والمغربي، وفي الوثائق الدينية والمحلية، وربما في المخطوطات والوثائق العائلية التي قد تكون ما زالت محفوظة لدى أسر المنطقة.
وبعد بحث طويل في المصادر الفرنسية والإسبانية والمغربية، ومقارنة الوثائق بالروايات الشعبية، أقدم لكم هذا الجهد المتواضع، لا باعتباره كلمة أخيرة، وإنما محاولة أولى لجمع ما تفرق من المعطيات حول شخصية ومقام ارتبطا بذاكرة الناظور.
وقد يكون بين أبناء المدينة من يحتفظ بوثيقة قديمة، أو صورة، أو شهادة عائلية، أو مخطوط، أو معلومة سمعها من الآباء والأجداد، يمكن أن تساعد في إضاءة جانب ما زال مجهولا من حياة هذا الرجل.
أتمنى أن يكون هذا الجهد فيه نفع لي ولكم، وأن يساهم في حفظ ذاكرة مدينتنا، فالتاريخ لا يوجد فقط في الكتب والوثائق الرسمية، بل يوجد أيضا في أسماء الأماكن، وفي الأضرحة، وفي الحكايات التي تناقلها الأجداد جيلا بعد جيل.
والبحث في تاريخ مدينتنا لن ينتهي بمقال، بل يبدأ منه.
إعداد وبحث: جمال الغازي
صفحة الثقافة الأمازيغية الريفية
المصادر التي اعتمدت عليها:
H. de La Martiniere وN. Lacroix، Documents pour servir a l’etude du Nord-Ouest africain، سنة 1894.
Cinzia Vismara، Le Rif oriental cotier dans les pages de voyageurs, explorateurs, historiens, archeologues, geographes : de Jean-Leon l’Africain a nos jours، مجلة Antiquites africaines، العدد 50، سنة 2014.
وثائق ودراسات حول تخطيط ومباني الناظور خلال الفترة الإسبانية، وفيها استعمال اسم: Sidi Ali El Hamman وSidi Ali Hamman.
José Antonio Cano Martín، مقال Sidi Ali Hamman, Santo Patron de Nador، المنشور في Melilla Hoy بتاريخ 22 يونيو 1990، كما سجلته جمعية الدراسات المليلية في مجلة Trapana.
جريدة Aujourd’hui Le Maroc، بتاريخ 25 شتنبر 2008، مقال Sidi Ali Nebhar, le saint protecteur des marins.
مصادر صحفية ومحلية مغربية تناولت ضريح سيدي عري وحامة سيدي علي ومكانة المقام في الذاكرة الشعبية.
دراسات تناولت المعتقدات والممارسات الشعبية المرتبطة بمقام سيدي عري في الناظور.







