” ريف رس” 28 غشت 2026
أثار خبر إعفاء خطيب مسجد بمدينة بركان جدلاً واسعاً، خصوصاً في ظل الحديث عن أن مواقفه النقدية تجاه بعض الأوضاع كانت وراء هذا القرار. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن القضية تطرح سؤالاً أعمق حول مساحة النقد المسموح بها، خصوصاً عندما يصدر عن شخص يعتبر أن من واجبه التعبير عن انشغالات الناس وهمومهم.
فانتقاد بعض الاختلالات لا يعني بالضرورة معاداة الوطن أو مؤسسات الدولة. بل إن المواطن الذي ينتقد ما يراه خطأً قد يفعل ذلك بدافع الحرص على بلده والرغبة في إصلاح أوضاعه. فالوطنية ليست دائماً في التصفيق وترديد عبارات المديح، وإنما يمكن أن تكون أيضاً في قول الحقيقة والتنبيه إلى مكامن الخلل.
وفي المقابل، فإن تحويل المنبر إلى فضاء للتجريح أو التحريض أو تصفية الحسابات أمر مرفوض، لأن خطيب المسجد يتحمل مسؤولية دينية وأخلاقية كبيرة، ويتعين عليه أن يوازن بين واجب النصح واحترام الضوابط القانونية والمؤسساتية.
لكن الإشكال الحقيقي يبدأ عندما يصبح مجرد طرح الأسئلة أو انتقاد الأوضاع سبباً في إسكات الأصوات، بينما يُنظر إلى الخطاب الذي يكتفي بالمديح والتطبيل باعتباره أكثر قبولاً. فالمجتمع يحتاج إلى النقد المسؤول بقدر حاجته إلى الاستقرار، لأن غياب النقد لا يعني غياب المشاكل، وإنما قد يعني فقط أن أحداً لم يعد يتحدث عنها.
الوطنية الحقيقية لا تُقاس بكمية التصفيق، ولا بعدد عبارات المديح، وإنما بمدى الصدق في الدفاع عن مصلحة الوطن والمواطن. ولذلك فإن قضية خطيب بركان، أياً كانت تفاصيلها القانونية والإدارية، تستحق نقاشاً هادئاً حول الفرق بين النقد البناء وبين الإساءة، وحول ضرورة أن يبقى الوطن أكبر من الأشخاص والمناصب والخلافات.







