” ريف رس” 12 ماي 2026
تعيش مدينة الناظور اليوم مفارقة صادمة بين ما يُفترض أن تكون عليه مدينة متوسطية واعدة، وما آلت إليه فعلياً من واقع عمراني جاف يفتقر لأبسط مقومات الحياة المتوازنة. فبين توسع البنايات الإسمنتية بشكل لافت، يتراجع حضور المرافق الرياضية والثقافية والفضاءات الطبيعية، لتتحول المدينة تدريجياً إلى كتلة صماء تخنق ساكنتها بدل أن تحتضن طموحاتهم.
لقد كان من المفروض أن تواكب مشاريع التهيئة الحضرية خلق ملاعب للقرب، ومراكز ثقافية، ومساحات خضراء تحفظ التوازن البيئي والنفسي للسكان. غير أن ما حدث هو العكس تماماً، حيث طغت المصالح الضيقة لبعض المنتخبين، الذين وجدوا في العقار وسيلة للاغتناء السريع، على حساب حق المواطن في مدينة قابلة للعيش.
في أحياء كثيرة من الناظور، يكاد الأطفال لا يجدون مكاناً آمناً لممارسة الرياضة، بينما تغيب دور الشباب والمراكز الفنية التي يمكن أن تصقل مواهبهم وتبعدهم عن الانحراف. أما المساحات الخضراء، فهي إما نادرة أو مهمّشة، رغم ما تزخر به المنطقة من مؤهلات طبيعية كان بالإمكان استثمارها بشكل أفضل.
وما يزيد من حدة هذا الوضع، أن وكالة تهيئة موقع بحيرة مارشيكا، التي كان يُعوَّل عليها لإعادة التوازن البيئي والعمراني بالمنطقة، لم تنجح في كسر هذا المنطق، بل بدت في نظر كثيرين وكأنها تسير في الاتجاه نفسه، حيث غلبت المشاريع ذات الطابع العقاري والسياحي المغلق، على حساب خلق فضاءات عمومية مفتوحة ومرافق اجتماعية وثقافية يستفيد منها عموم السكان.
لقد كان الأمل أن تشكل هذه الوكالة رافعة حقيقية لتنمية مستدامة، تعيد الاعتبار لبحيرة مارشيكا كفضاء بيئي وإنساني مشترك، لكن واقع الحال يعكس استمرار نفس المقاربة التي تُعلي من قيمة الاستثمار على حساب جودة الحياة.
إن تحويل المدينة إلى مجرد مشروع عقاري مفتوح، دون رؤية تنموية متكاملة، هو إخلال واضح بمسؤولية التدبير المحلي. فالمدينة ليست فقط طرقاً وإسمنتاً، بل هي أيضاً فضاءات للعيش المشترك، والتربية، والثقافة، والرياضة.
اليوم، بات من الضروري مساءلة المسؤولين عن هذا الوضع، وإعادة توجيه بوصلة التنمية نحو الإنسان قبل البنيان. فالناظور تستحق أن تكون مدينة للحياة، لا مجرد مساحة للاستثمار العشوائي.






